إصدار.. “أشرطة كيسنجر”: تشريح العقل البارد في أروقة السلطة الأمريكية
علي البلوي
في عالم السياسة الدولية، نادراً ما تتطابق السرديات الرسمية التي يكتبها القادة في مذكراتهم مع الحقائق العارية التي تجري في الغرف المغلقة، لكن كتاب المؤرخ توم ويلز الصادر في مارس 2026، بعنوان “أشرطة كيسنجر: داخل محادثاته الهاتفية المسجلة سراً”، كسر هذه القاعدة من خلال تقديم نسخة غير منقحة من التاريخ عبر ما يُعرف بـ “التلكونات” (Telcons).
هذه النصوص المفرغة لآلاف المكالمات التي سجلها هنري كيسنجر سراً أثناء عمله مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية بين عامي 1969 و1974، والتي انتزعها “أرشيف الأمن القومي” بعد معارك قانونية ضارية، تكشف كيف كان كيسنجر يدير العالم بعقل بارد يضع الاستراتيجية فوق أي اعتبار إنساني، مجسداً فلسفة المدرسة الواقعية السياسية في أبشع وأذكى صورها.
يتضح هذا النهج جلياً في تعامله مع الأزمات الدولية، حيث تظهر الوثائق تجرداً كاملاً من المشاعر؛ ففي مارس 1971، ناقش كيسنجر ونيكسون تقارير القنصل الأمريكي “آرشر بلود” حول الإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام الباكستاني المدعوم من واشنطن في بنجلاديش، وبدلاً من التدخل، وصف كيسنجر القنصل بـ “المتباكي والمخنث” الذي يغرد خارج السرب، مما دفع نيكسون لإصدار أمر فوري بإقالته للحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع باكستان الغربية.
هذا التغليب للمصلحة الجيوسياسية امتد ليشمل أمريكا اللاتينية، حيث يوثق الكتاب في سبتمبر 1973 اعتراف كيسنجر الصريح لنيكسون بالدور الأمريكي في انقلاب تشيلي والإطاحة بـ “أليندي”، مؤكداً: “لقد ساعدناهم.. خلقنا أقصى ظروف ممكنة للنجاح”، معرباً عن سخطه من الصحافة الليبرالية التي انتقدت الانقلاب، ومتحسراً على زمن أيزنهاور الذي كان سيجعل منهما أبطالاً قوميين لهذا الفعل.
ولم يكن الكذب لدى كيسنجر مجرد وسيلة طارئة، بل كان أداة دبلومسية وسمة شخصية، كما يصفه مساعده هلموت سونينفيلد بقوله إن “هنري لا يكذب لمصلحة فحسب، بل لأن الكذب في طبيعته”.
ويستعرض الكتاب كيف مارس كيسنجر هذا التضليل الممنهج مع زملائه والصحفيين على حد سواء؛ ففي يوليو 1973، أنكر للصحفي سيمور هيرش أي علم له بالتقارير العسكرية المزورة لإخفاء قصف كمبوديا السري، بينما كشفت الأشرطة أنه اتصل بمساعده ألكسندر هيج بعد ثلاث ساعات فقط ليطلعه على كيفية محاولته تضليل هيرش.
هذا النمط من المناورة شمل حتى المقربين منه، حيث راوغ كيسنجر بشأن أمره لمكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنصت على 17 شخصاً، بينهم كاتب خطاباته ويليام سافاير، ملقياً بالمسؤولية على عاتق وزير العدل جون ميتشل.
وفي ذروة الأزمات، كان كيسنجر يرى نفسه العاقل الوحيد وسط ما وصفه بـ “مأوى المجانين” (Madhouse)؛ وهي العبارة التي استخدمها في أغسطس 1973 أثناء محاولته توبيخ وزير الدفاع ميلفن ليرد لعدم دفاعه بقوة عن قصف كمبوديا أمام الكونغرس، معتبراً أن قتل الأعداء هو السبيل الوحيد لإنقاذ الأرواح الأمريكية مهما كانت الوسائل المستخدمة.
وفي سياق آخر، كان كيسنجر مهندس صورة ذهنية بامتياز، حيث استغل علاقاته مع كبار الإعلاميين مثل باربرا والترز لتحييد النقد؛ ففي يونيو 1972، لجأ إليها لطلب نصيحة في العلاقات العامة بشأن كتاب فرنسي زعم وجود علاقات عاطفية له، مستخدماً لغة تدمج بين الغزل الوظيفي والدبلوماسية لتأمين ولائها وضمان تغطية إعلامية مواتية.
وعلى صعيد السياسة الداخلية، لم تكن الأشرطة أقل إثارة، إذ سجلت لحظات الضعف والقلق خلال فضيحة ووترغيت، التي وصفها كيسنجر في أبريل 1973 بأنها “أكثر فترة محبطة في التاريخ الأمريكي”، ليس من منظور أخلاقي، بل لإدراكه أن الفضيحة ستقوض قدرة الإدارة على التحرك دولياً. كما وثقت الأشرطة روح الانتقام السياسي في يونيو 1973، حين اتفق نيكسون وكيسنجر على شن هجوم مضاد ضد إرث عائلة كينيدي عبر نشر سجلات تنصتهم القديمة للرد على الضغوط الإعلامية.
إن “أشرطة كيسنجر” بمجملها، كما أكد بيتر كورنبلو، تمثل حكم التاريخ النهائي بلسان كيسنجر نفسه؛ فهي تزيح الستار عن الشخصية الحقيقية لـ “الثعلب العجوز” الذي أدار العالم من خلف الهاتف، مؤمناً بأن القوة والسرية هما المحركان الوحيدان للتاريخ، مما يجعل هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه لفهم آليات صناعة القرار في القوى العظمى وكيفية تحويل المكالمات الشخصية إلى استراتيجيات تغير مصائر الشعوب.
التعليقات