العقل الأمني الإيراني: سيكولوجيا الدهاء واستراتيجية التفكيك
علي البلوي
تتجلى ملامح الشخصية الفارسية في الوعي السياسي المعاصر كواحدة من أعقد الظواهر التي تتطلب أدوات تحليلية تغوص في عمق عقد السيكولوجيا والتاريخ، بعيداً عن السطحية في الطرح.
ومن خلال مسيرتي الطويلة في البحث والدراسة، وعملي مسؤولاً في مركز دراسات متخصص حول الشأن الإيراني، لم تكن دراستي المقارنة بين النظام السياسي في إيران وتركيا، أو بحثي المعمق في آليات تعامل الأمن القومي الأمريكي معهما، مجرد رصد أكاديمي نظري، بل كانت استقراءً ميدانياً ومواجهة مباشرة مع عقلية أمنية وسياسية تضع مصلحة إيران فوق كل اعتبار قيمي أو أيديولوجي.
إن هذه الشخصية تستمد قوتها الجوهرية من توظيف الفكر الفلسفي والأنثروبولوجي كأداة تأثير ناعمة وخشنة في آن واحد؛ فهي لا تقرأ الخصوم عبر موازين القوى العسكرية التقليدية فحسب، بل من خلال مجهر تفكيك البنى النفسية والاجتماعية للشعوب المستهدفة.
ويبرز هنا الدهاء والمكر في استثمار الدين وتوظيفه واستغلاله على أشكال عدة وفق مقتضيات الحاجة؛ فيتم تصدير خطاب “المقاومة” في المحيط العربي السني لاختراق الوجدان الشعبي وامتصاص الاندفاعات القومية، بينما يتم التركيز على “وحدة الجسم الشيعي” مذهبياً لضمان تبعية الولاءات العابرة للحدود لمركز القرار، وفي الوقت ذاته يتم العزف على وتر “وحدة العالم الإسلامي” إسلامياً لتقديم طهران كقطب قيادي أممي، في حين تظل هذه الشعارات مجرد أدوات تكتيكية تتبدل وتتحور حسب مقتضيات أمنها القومي.
وتبرز خطورة هذه الشخصية الأمنية في قدراتها التعبيرية الفائقة المستمدة من خلفية ثقافية غنية؛ حيث يمتزج فيها “اجترار الحزن” التاريخي مع السيكولوجيا الاستخباراتية الحديثة، وما تمنحه اللغة الفارسية من “لحن” وتصوف وعمق عاطفي. هذه التوليفة تخلق حالة من التودد والتبسيط الظاهري الذي يجعلك تنجذب نحوها بأريحية وثقة، إلا أنها في الحقيقة تمتلك وجهاً آخر خلف هذا القناع، وجهاً مليئاً بالعنجهية والتطرف والشوفينية الفارسية التي لا ترى في الآخرين سوى أدوات لتحقيق سيادتها.
وتظهر براغماتية الأمن القومي الإيراني بأوضح صورها حين تتجاوز هذه الأيديولوجيات المعلنة وتضرب بها عرض الحائط إذا ما اصطدمت بمصالح الدولة العليا؛ فالشخصية التي ترفع شعار حماية المذهب هي ذاتها التي وقفت بقوة تدعم أرمينيا المسيحية على حساب أذربيجان الشيعية، مما يثبت بالدليل القاطع أن القومية الفارسية والحسابات الجيوسياسية هي المحرك الفعلي والنهائي للقرار الإيراني، وأن الدين ليس إلا غطاءً يتم استخدامه وتجاوزه وفقاً لمتطلبات البقاء والسيادة.
وقد تجلى لي هذا الواقع بوضوح تام خلال لقاءاتي المكثفة مع دبلوماسيين وباحثين إيرانيين، حيث وجدت نفسي أمام شخوص لا يتحركون كأفراد، بل كأدوات داخل عقيدة سياسية وأمنية محددة بدقة، ولديهم أهداف واضحة ضمن استراتيجية شاملة تغطي كامل المنطقة، غايتها الأساسية هي الاستهداف والتفكيك وإعادة صياغة موازين التأثير.
إن الدولة الأمنية العميقة في إيران، وطيلة سبعة وأربعين عاماً من العمل الدؤوب، لم تكتفِ بالشعارات، بل بنت مؤسسات أمنية وفكرية واستراتيجية صلبة لخدمة أهدافها وأدواتها؛ ومن يزور المدينة الإعلامية في إيران يدرك حجم هذا التغول، حيث يكتشف المفارقة الصادمة بأن إجراءات زيارة وزارة الاستخبارات قد تكون أقل تعقيداً من زيارة المجمعات الإعلامية، التي أصبحت تشبه الثكنات العسكرية في نظامها وتدريبها وتأهيلها.
هذه المنظومة الإعلامية-الأمنية تدير أكثر من ثلاثين قناة فضائية موجهة بلغات عالمية عدة، وجميعها تتبع هيكلياً واستراتيجياً لاستخبارات الحرس الثوري.
والمثير للدهشة هو قدرة إيران على تأمين تمويل هذه القنوات الضخمة (3 مليار دولار) سنويا من مصادر متداخلة، تبدأ من دول مجاورة وتصل إلى الانخراط في تجارة المخدرات والألماس وعمليات غسيل الأموال الدولية، وكل وسيلة ممكنة لتأمين استمرار هذه الماكنة، وهناك مصادر أخرى بتفاهمات واتفاقيات استخباراتية سرية.
إن ما خرجت به من تجربة عملية وميدانية هو أن الشخصية الفارسية وما تملكه من عناد وطول أناة ومكر وخديعة، ليست مجرد سمات فردية موروثة، بل هي أدوات في عقيدة سياسية شاملة ترى أن كل شيء- بلا استثناء-ممكن ممارسته سياسياً وأمنياً ما دام يخدم إيران أولاً، ووفقاً لاستراتيجيتها العليا التي تجعل من “الدولة” وتمددها الهدف الأسمى الذي يبرر كافة الوسائل.
التعليقات