الحرب الظالمة ضد دول الخليج العربي: إعادة تشكّل الإدراك الجمعي في الخليج

10 أبريل 2026

علي الصديقي. باحث بحريني

يقول الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجيا الجماهير” أن سرعة تصديق الجماعة لمسألة مّا، ليس السبب الوحيد في اختراع الأقاصيص التي تنتشر بين الناس بسرعة، بل السبب الآخر هو التشويه الذي يعتور بعض الحوادث في مخيلة الجماعة.

مثل هذه الأقاصيص نمت وترعرعت في الوجدان العربي على مدى عقود، فقد انهمر على الوعي العربي العام -والخليجي أيضاً- تشويشين كبيرين: الأول – تشويش حول حجم القوة العسكرية الإيرانية باتجاه التضخيم، والثاني – تشويش آخر في حجم دول الخليج باتجاه التحجيم. صُنعت خيالات منها قدرة ايران على احتلال دول الخليج في ظرف ساعة من الزمن، وأن دول الخليج ستسقط في أول اختبار حقيقي أمام صواريخ إيران وقدراتها العسكرية. ولكن ما السبب في ذلك؟

تاريخياً، تشكلت هذه المخيلة البائسة ضد دول الخليج العربي بمساهمات ثلاث:

(1) الأول تسويق إيران لنفسها: بدأت عبر بوادر ساهمت فيها إيران نفسها، حيث حركت مجموعات تابعة لها لتصدير ثورتها، مارست فيها وسائل من بينها محاولة قلب نظام الحكم في البحرين ثمانينات القرن الماضي، أو محاولة اغتيال أمير الكويت، الأمر الذي ترك شيئاً مّا في الذاكرة الخليجية. ومع الاحتلال الأمريكي للعراق مطلع القرن الحالي بدأ التدخل الإيراني يتغلغل وينتشر أسرع تبعته أحداث سوريا واليمن، وصار يشكل صورته النمطية التي أدت لتضخم المخيلة امتداداً لتلك الأحدث واستمراراً لها، كل هذه الأحداث وظفتها طهران جيداً في محاولة التهديد المبطن لدول الخليج وزرع نفوذها في المنطقة.

(2) تكريس هذه المخيلة بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها: حيث عززت هذه الصورة بغية صناعة بعبع إيراني وتضخيمه، طمعاً في إبعاد دول الخليج عن أي علاقات مباشرة مع إيران، وخلق حالة من عدم اليقين تجاه سياساتها من جانب.

(3) قامت إسرائيل بدور مهم جداً في صناعة إيران الخطر الكبير، برغم التعاون والتنسيق تاريخياً بينهما في ملفات أخرى فاضحة. استخدمت إسرائيل هذه الصورة المضخمة في قمع كل شيء داخل فلسطين المحتلة، ومبرراً لممارسة جرائمها في غزة مؤخراً.

منذ ذلك الحين، ولمدة طويلة من الزمن، باشرت إيران في بناء السرديّة العسكرية عبر صناعة المتخيّل، هددت فيه باستخدام بعض الأوراق الضاغطة، منها ورقة إغلاق المضيق، ثمّ ورقة الطائرات المسيرة والعتاد العسكري والصواريخ بعيدة المدى، التي تعلن أنه صُنّعت لمواجهة إسرائيل في الرسالة المباشرة، ولكن رسائلها المبطّنة غير المباشرة كانت تستهدف دول الخليج.

هذه المخيلة، مخيلة القوة، أحسنت ايران استثمارها إعلامياً وسياسياً طيلة عقدين من الزمن. فكما يقول هانس مورغنثاو (Hans Morgenthau)وهو من أنصار الواقعية في العلاقات الدولية، أنّ القوة ليست فقط قوة عسكرية، وإنما هي قوةّ نفسية بحيث يسيطر الطاغية على عقل الآخر، عبر صناعة الهيبة النفسية، بوصفها أحد تجليات سياسات الإخضاع. فالاحتلال يبدأ من العقل لا من الصاروخ والدبابة. أدى كل ذلك لشعور بعض النخب العربية بقلة يد الحيلة، والاقتناع بالضعف تجاه القدرات العسكرية التي تم تصوريها أنها قدرات هائلة لا تُصدّ ولا تُرد. وهو ما بدأ يظهر بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام من بعض أرباب التنظيرات القديمة تحت شعار “التحليل السياسي” الذي أخذ يحفّز الجوانب الانهزامية وتحجيم دول الخليج قبالة القوة المُتخيّلة الإيرانية، حتى قيل أننا دول من زجاج. في الوقت الذي كانت تستعدّ فيه دول الخليج عسكرياً –بصمت- لمجابهة هذه القوة العسكرية التي صنعت نفسها في “الذهن” قبل أن تصنع نفسها في “الواقع”.

 

الحرب الأخيرة ساعدت في تآكل الفكرة، عندما انتقلت الأفكار من “التلويح” إلى “التنفيذ”. فإذا كان إغلاق المضيق ورقةً تُلوّح بها طهران لمدة تزيد عن عقدين، فقد استخدمتها مؤخراً. وإذا كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تسبب القلق لدول الخليج، فهي الأخرى تم استخدامها ببشاعة ضدها. إيران استنفذت أوراق قوتها “المُتخيلة” التي لوحت بها طيلة السنين الماضية، فتحوّل الخيال إلى حقيقة معيشة، استنفذت الأسطورة مفعولها. لم يعد لها أوراق أخرى تلعب بها مع دول المنطقة. إنّ هذا سينتج إدراكاً جديداً حتمياً ومختلفاً عن السابق لا محالة.

 

الوعي الجديد، يعاد تشكيله بفعل سواعد القوات المسلحة من أبنائنا وأخواننا، عبر استبسال أجهزة الدفاع الخليجية التي وجدت نفسها أمام اختبار الحقيقة المُرة لمواجهة عدوان أسطورة المسيرات والصواريخ الإيرانية. إذا عدنا إلى غوستاف لوبون يقول: أنّ للجماعة إدراكاً، ولكن هذا الإدراك بصفته مشاعر قد تكون خيراً أو غير ذلك، والأمر يرجع إلى الكيفية التي تُستفز بها. يستطرد: لو اقتصرنا على تعداد الأعمال العظيمة التي فعلتها الأمم وهي هادئة مطمئنة ما وجدنا من ذلك إلا يسيراً.

دول الخليج تفعل الكثير وتُحدث ضجيجاً عربياً بفعل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية ورُؤيتها التصاعدية نحو العالمية، بفعل طموح أصحاب القرار وشعوبها. هذا الضجيج يُحدث أثراً هو الآخر، يعيد صناعة المخيلة. جاءت الحرب أيضاً، تواجهها دولنا لتبرز إمكاناتها العسكرية الدفاعية الكبيرة التي تفوقت على قوة دفاعات إسرائيل عن نفسها. تم اختبار أجهزة “الدفاع”.

لا أقلل من القوة العسكرية الإيرانية، ولكن أتحدث عن تضخيمها أكثر من اللازم. سقطت أسطورة القوة الإيرانيّة في مخيلة الجندي الخليجي عند ساعة المعركة، عندما أثبت قدرته على الدفاع عن كرامته وسيادته العربية. هنا الخليج العربي، أعمالنا لا تظهر بالضرورة في لحظات الهدوء، تحتاج إلى استفزاز لنُخرج أفضل ما عندنا. لنصنع إدراكاً جَمعيّاً جديداً.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...