فقه التمييز في التصرفات النبوية بين التشريع والتدبير…قراءة مقاصدية معاصرة

10 أبريل 2026

الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
إنّ البحث في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد استعراض تاريخي أو سرد روائي لأحداث السيرة، بل هو مجال دقيق من مجالات الاجتهاد الفقهي والمقاصدي، يتطلب أدوات علمية رصينة وقدرة عالية على التمييز بين المقامات المختلفة التي تصدر عنها تلك التصرفات.

ذلك أن السنة النبوية ليست على مرتبة واحدة من حيث الدلالة والوظيفة، بل تتنوع بحسب الأحوال والمقامات، فتارة تكون تشريعًا ملزمًا عامًا، وتارة تكون اجتهادًا بشريًا، وتارة أخرى تدبيرًا دنيويًا مرتبطًا بظروف معينة، وهو ما يجعل التفكير العلمي في هذا الباب ضرورة لا غنى عنها.

إنّ الغالب في تصرفاته عليه الصلاة والسلام أنها صادرة عن مقام الرسالة والتبليغ، وهو المقام الأعلى الذي يتلقى فيه الوحي ويبلغه للناس، مبيّنًا ومفصّلًا لما جاء في القرآن الكريم.

وهذا النوع من التصرفات له صفة الإلزام والعموم، لأنه متعلق بالدين الذي يخاطب به الناس كافة، ولا يختص بزمن دون زمن ولا ببيئة دون أخرى. ومن هنا كانت الأوامر والنواهي التي ثبتت عنه في هذا المقام داخلة في دائرة التشريع، التي لا يسوغ العدول عنها إلا بدليل.

غير أنّ هذا الغالب لا ينبغي أن يحجب عنا بقية الأنواع من التصرفات النبوية، والتي لا تقل أهمية من حيث الفهم، وإن اختلفت من حيث الإلزام. فثمة تصرفات صدرت عنه بوصفه إمامًا وقائدًا، يتولى شؤون الدولة والمجتمع، فيضع السياسات، ويتخذ القرارات، ويراعي الموازنات بين المصالح والمفاسد. وهذه التصرفات لا يمكن فهمها إلا في سياقها الزمني والواقعي، إذ هي مرتبطة بظروف معينة، وقد تختلف باختلاف الأحوال.

ومن الخطأ المنهجي أن تُحمّل هذه التصرفات طابع التشريع العام، لأن ذلك يؤدي إلى جمود الفقه وتعطيل مقاصد الشريعة.

كما أن هناك تصرفات صدرت عنه في مقام القضاء، حيث كان يفصل بين الخصومات بناءً على ما يتوفر لديه من حجج وبيّنات، مع التأكيد على بشريته في هذا الباب، كما في قوله: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار”. فهذا الحديث يضع حدًا فاصلًا بين مقام القضاء ومقام التشريع، ويؤكد أن أحكامه القضائية مبنية على الظاهر والاجتهاد، لا على الوحي في كل جزئية.

ومن جهة أخرى، نجد تصرفات نبوية تدخل في نطاق الجبلة البشرية والعادات، كاختياراته في الطعام واللباس وأسلوب العيش، وهذه لا تُعد من التشريع الملزم، بل هي من قبيل الإباحة، وإن كان الاقتداء بها من باب المحبة والتأسي لا من باب الوجوب.

وقد وقع الخلط عند بعض الناس حين جعلوا هذه التصرفات في مرتبة واحدة مع التشريعات، فضيّقوا واسعًا، وفرضوا على الناس ما لم يفرضه الشرع.

ويبرز أيضًا نوع خاص من التصرفات التي خُص بها بعض الصحابة دون غيرهم، إما لاعتبارات تربوية أو لظروف خاصة، وهذه لا يمكن تعميمها على سائر الأمة، لأنها مرتبطة بسياق معين وشخصيات محددة. وهنا تظهر أهمية معرفة أسباب الورود وملابسات الحدث، حتى لا يُساء فهم النص أو يُنزّل في غير موضعه.

إنّ ما هو مجمع عليه من تصرفاته عليه الصلاة والسلام يدخل ضمن أنواع معروفة عند الأصوليين، كالتصرفات التشريعية، والتنزيلية، والتربوية، والخاصة، والبشرية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في المنطقة التي يقع فيها الاختلاف، حيث يتردد الفعل النبوي بين أكثر من مقام، ويحتاج إلى نظر دقيق لترجيح أحدها. وهنا يتجلى دور الاجتهاد، الذي لا يقوم به إلا من توفرت فيه شروط العلم والفهم، وتمكن من أدوات النظر المقاصدي.

فقد يرى فقيه أن تصرفًا معينًا صدر عنه في مقام القضاء، فيحمله على ما يقتضيه هذا المقام من خصوصية وعدم تعميم، بينما قد يراه آخر صادرًا في مقام الإمامة، فيربطه بالسياسة الشرعية والمصلحة العامة، وقد يذهب ثالث إلى اعتباره تشريعًا عامًا، فيلزم به الناس كافة.

وهذا التعدد في الفهم ليس خللًا، بل هو دليل على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب الواقع، شريطة أن يكون مبنيًا على أسس علمية لا على أهواء أو انطباعات.

ومن الأحاديث المؤسسة في هذا الباب، قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار». فهذا الحديث –كما سبق– يؤسس بوضوح لتمييز مقام القضاء عن مقام التشريع.

ومن الأحاديث العظيمة الدالة على التمييز بين الديني والدنيوي قوله عليه الصلاة والسلام في مسألة تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وهو نص صريح في إقرار الخبرة البشرية في المجالات الدنيوية، وعدم إلزام الناس برأي لم يُقصد به التشريع.

كما نجد في مقابل ذلك أحاديث تؤكد صفة التشريع العام، كقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقوله: «خذوا عني مناسككم»، وهي نصوص لا تحتمل إلا الإلزام، لصدورها عن مقام التبليغ.

وإذا انتقلنا إلى الأمثلة التطبيقية التي تكشف عن عمق هذا التمييز، وجدنا مواقف عملية تُجسّد هذا الفهم:

فمن ذلك ما وقع في غزوة بدر، حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم في موقع معين، فجاءه الحباب بن المنذر وسأله: أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما بيّن له أنه الرأي، أشار عليه بتغيير الموقع، فقبل النبي رأيه. وهذا الموقف يكشف بوضوح أن بعض تصرفاته كانت اجتهادات بشرية في التدبير العسكري، وليست وحيًا ملزمًا.

ومن ذلك أيضًا امتناعه عن تسعير السلع حين طلب منه الصحابة ذلك، فقال: «إن الله هو المسعّر»، وقد فهم بعض الفقهاء هذا على أنه منع مطلق، بينما نظر إليه آخرون في سياقه، فاعتبروه تصرفًا إماميًا مرتبطًا بظرف معين، مما يجيز التسعير عند الحاجة لتحقيق العدل ومنع الظلم.

وكذلك اتخاذه خاتمًا من فضة لختم الرسائل، وهو تصرف إداري تنظيمي، لا يُفهم على أنه تشريع عام يلزم الأمة، بل هو من قبيل الوسائل التي تتغير بتغير الزمان.

ومن النماذج المهمة أيضًا إرساله لمعاذ بن جبل إلى اليمن، وسؤاله له: «بمَ تقضي؟» إلى آخر الحديث، حيث أقرّه على الاجتهاد، مما يدل على أن الشريعة تفتح باب التفكير العقلي المنضبط، ولا تقف عند حدود النصوص الحرفية.
كما أن هيئته في بعض شؤونه الحياتية، كاختياره لبعض الأطعمة أو أنماط اللباس، لا تدخل في باب التشريع، بل في باب العادات، فلا يصح إلزام الناس بها، وإن كان التأسي بها من باب المحبة.

ومن خلال هذه النصوص والأمثلة، يتضح أن الفهم الصحيح للتصرفات النبوية لا يتحقق إلا بجمع أمرين: النص من جهة، والسياق والمقام من جهة أخرى. فالنص وحده قد يُفهم على غير مراده إذا جُرّد من سياقه، كما أن السياق وحده لا يكفي دون الرجوع إلى دلالة النص.

كما يظهر أن المقاصد الشرعية تمثل الميزان الذي يُرجع إليه في الترجيح بين الاحتمالات المختلفة، فإذا كان حمل التصرف على كونه تشريعًا يؤدي إلى الحرج أو تعطيل المصلحة، بينما حمله على كونه تدبيرًا مرحليًا يحقق العدل والمصلحة، فإن هذا الأخير يكون أولى، ما لم يمنع منه دليل صريح.

إنّ التفكير العلمي في ما نقل عنه من سنة وسيرة وتصرفات متعددة لا يمارسه كل من هب ودب، وإنما هو مجال أهل الاختصاص القادرين على التمييز بين المقامات، والمتمكنين من أدوات الفهم المقاصدي. ومن دون هذا التمييز، يبقى الفقه عرضة للاضطراب بين الإفراط والتفريط، ويضيع التوازن الذي جاءت به الشريعة.

ختاما، إن التصرفات النبوية تمثل منظومة متكاملة، لا يمكن فهمها إلا من خلال التمييز بين أنواعها ومقاماتها، وأن هذا التمييز هو مفتاح الفقه الصحيح، الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان، ويحفظها من سوء الفهم وسوء التنزيل .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...