الجنس في مجتمعاتنا: بين الجهل المنظَّم ودور المختص في إعادة الفهم
كريمة العزيز
ليس الجنس في حد ذاته هو المشكلة، بل الطريقة التي تم بها تقديمه ومحاصرته وتشويهه داخل مجتمعاتنا، حيث أُحيط بهالة من الصمت والخجل و”الطابو”، حتى أصبح الحديث عنه يُعد خروجًا عن المألوف، بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من التربية والفهم الإنساني. غير أن هذا الصمت لم يحمِ المجتمع كما يُروَّج، بل ساهم في خلق فجوة عميقة بين المعرفة والواقع. فبدل أن يُفهم الجنس كعلاقة إنسانية متكاملة تشمل الأبعاد النفسية والعاطفية والتواصلية وحتى الوجودية، تم اختزاله في فعل جسدي ضيق، وهو ما يُنتج علاقات هشة يفتقر فيها الشريكان إلى الصراحة والتفاهم والانفتاح، مما يؤدي إلى سوء الفهم والإحباط والنفور طويل الأمد، بل ويدفع أحيانًا إلى البحث عن بدائل غير صحية أو غير متوازنة.
في المقابل، يُواجَه الاختلاف في الميول أو التجارب الجنسية بالرفض والوصم بدل الفهم العلمي، وهو ما يدفع العديد من الأفراد إلى العيش في ازدواجية مرهقة تقوم على امتثال ظاهري للنموذج الاجتماعي عبر الزواج والإنجاب، مقابل حقيقة داخلية مكبوتة ومُغيَّبة، ومع غياب المصارحة تتحول هذه الازدواجية إلى أزمات نفسية وعاطفية عميقة لا تمس الفرد فقط، بل تمتد لتؤثر على الشريك وتُفسد العلاقة من الداخل.
ومع وفرة المعلومات عبر الإنترنت، بدا وكأن الانفتاح قد تحقق، لكن الواقع يكشف عكس ذلك، إذ لم يتشكل وعي بقدر ما تضاعف الاستهلاك، حيث تحوّل الجنس إلى مادة بصرية تُستهلك، والعلاقات إلى تجارب سريعة تفتقر إلى المعنى والالتزام، والأخطر أن العديد من الشباب باتوا يعتبرون ما يُعرض في المحتوى الإباحي أو بعض الممارسات الخاصة مثل الفيتيشية أو ما يُعرف بـ(BDSM) نماذج طبيعية، دون إدراك للسياقات النفسية أو الخلفيات المعقدة التي قد تقف وراء هذه الأنماط. هذا الخلط يُنتج تصورات مشوهة عن الذات والجسد والعلاقة، وقد يقود إلى الإدمان أو إلى ممارسات غير صحية، خاصة خلال مراحل التكوين الجنسي لدى الشباب، حيث تتشكل الهوية وتتأثر بالتجارب الأولى.
وهنا يبرز الدور الحقيقي للمختصين في علم الجنس الكلينيكي، وهو دور لا يزال يُساء فهمه بشكل كبير، فهؤلاء لا “يُدرّبون على الجنس” كما يُشاع، بل يُشخّصون بدقة طبيعة المشكلات ، هل هي عضوية أم نفسية؟ هل ترتبط بصدمات طفولية كالعنف أو الاعتداء أو الاغتصاب؟ أم بصورة ذاتية سلبية أو اضطراب في العلاقة مع الجسد؟ ويتم ذلك عبر مسار علاجي قد يطول أو يقصر حسب تعقيد الحالة وتشابك عواملها، حيث يكون الهدف في جوهره إعادة بناء علاقة صحية مع الذات أولًا ثم مع الآخر، من خلال فهم الأسباب بدل الاكتفاء بمعالجة الأعراض.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الخطاب السائد الذي يربط رغبة الرجل بسلوك أو مظهر المرأة، وكأن المسؤولية تقع عليها بوصفها مصدرًا للإغراء، وهو طرح لا يظلم المرأة فحسب، بل يُجرد الرجل أيضًا من مسؤوليته وقدرته على التحكم في ذاته، ويُعيد إنتاج ثقافة لوم الضحية بدل بناء وعي قائم على النضج والاحترام المتبادل. في العمق، نحن أمام ما يمكن تسميته بـالجهل المنظَّم ، جهل يتم إنتاجه وإعادة تدويره عبر الصمت والخوف وغياب التربية الجنسية، ويُغذّى باعتقاد خاطئ مفاده أن التوعية تؤدي إلى الانحراف، بينما الواقع يثبت أن غياب التوعية هو ما يفتح الباب أمام التشوه والارتباك والمصادر غير الموثوقة.
كيف يُطلب من الأفراد بناء علاقات صحية ومتوازنة، وهم لم يتلقوا أي معرفة حقيقية حول هذا الجانب الأساسي من حياتهم؟ إن الحل لا يكمن في الترويج للممارسة كما يُخشى، بل في تقديم تربية جنسية واعية، علمية وإنسانية تُراعي الخصوصيات الثقافية وتُناسب مختلف المراحل العمرية، تربية تُدرّس من طرف مختصين داخل المؤسسات التعليمية، وتُدعم داخل الأسرة، وتُكملها مؤسسات مختصة بالتوعية، فالهدف ليس كسر القيم أو القطيعة مع الدين، بل فهمهما بوعي، وإدماج الجنس ضمن سياقه الطبيعي كجزء من التكوين النفسي والاجتماعي للفرد، بما يساهم في بناء توازنه الداخلي وعلاقاته الإنسانية.
M
التعليقات