البوحِ السياسي بين شح الاعتراف وبلاغة المسكوت عنه
عبده حقي
في المغرب كما في باقي البلدان التي تسعى إلى ديموقرطية حقيقية، لا تُكتبُ المذكرات والاعترافات السياسية بيسر وسهولة، ولا يُفصحُ القادة السياسيين عن أسرارهم كما يفعل نظراؤهم في تقاليدٍ ديمقراطيةٍ أخرى.
هنا، يبدو المسكوت عنه أحيانًا أكثر بلاغةً من الكلام، وتبدو ماكينة الذاكرةُ وكأنها تُدار بحذرٍ شديد، كأنّها حقلُ ألغامٍ لا يُسمحُ بالاقتراب منه إلا بخطاطة مضبوطة وبشروطٍ غير معلنة.
ومع ذلك، وخلال العقدين الأخيرين، منذ وفاة الملك المرحوم الحسن الثاني، بدأت تتشكّل ملامحُ خجولةٌ لما يمكن تسميته بأدب الاعتراف السياسي، أدبٌ لا يزال محدودًا، لكنه على كل حال يكشف الكثير من خلال ما يقوله، وربما أكثر من خلال ما يتجنّب قوله.
لقد شكّل صدور كتاب (حديث فيما جرى) للزعيم الراحل عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي علامةً فارقةً في هذا المسار. لم يكن الأمر مجرد مذكرات شخصية، بل كان استعادةً لمرحلةٍ كاملة من تاريخ المغرب السياسي، من زمن المعارضة الشرسة منذ أواخر الخمسينات إلى تجربة التناوب التوافقي أواخر التسعينات.
غير أنّ هذا النص، رغم أهميته القصوى، يظلّ محكومًا بروح رجل الدولة، الذي يوازن بين الصراحة والاحتراز، بين الرغبة في التوضيح والحرص على عدم تفجير كلّ الألغام من تحت الركح السياسي المغربي بشكل عام. وهنا يتجلى الطابع الخاص للمذكرات السياسية المغربية: اعترافٌ محسوب، لا يجرؤ على التحليق عاليا أو الحفر بعمق في أركولوجيا الأسرار السياسية.
وفي السياق نفسه، قدّم الأستاذ فتح الله ولعلو في كتابه (زمن مغربي: مذكرات وقراءات) نموذجًا آخر لهذا الاعتراف الحذر. فالرجل، الذي شغل مواقع حساسة في الدولة كوزير للاقتصاد والمالية، لم يكتب فقط سيرته، بل كتب أيضًا قراءته للتحولات الاقتصادية والسياسية التي عرفها المغرب. غير أنّ هذه القراءة، على غناها، تظلّ محكومة بمنطق “الداخل”، أي بمنظور من عاش التجربة من قلب المؤسسة، لا من هامشها. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن للفاعل السياسي أن يكون شاهدًا محايدًا على ذاته؟
وبعيدًا عن دوائر السلطة، ظهرت مذكرات أخرى تحمل نبرةً مختلفة، مثل كتاب (حديث الذاكرة) لأبرز قياديي منظمة العمل الديموقراطي الشعبي محمد بنسعيد آيت إيدر، الذي يستعيد تجربة اليسار المغربي من زاوية النضال والمعاناة. هنا يصبح الاعتراف أكثر حرارة، وأكثر اقترابًا من الألم الشخصي، لكنه يظلّ بدوره انتقائيًا، إذ يعيد بناء الماضي من منظور الالتزام الإيديولوجي الشخصي والحزبي.
وفي الاتجاه ذاته، تقدّم كتابات عبد الرحمن بنعمرو عن حزب الطليعة الاشتراكي وصلاح الوديع وهو معتقل سابق وفاعل جمعوي وعضو هيأة الإنصاف والمصالحة شهاداتٍ تتقاطع فيها السياسة بالحقوق، والذاكرة بالمعاناة.
غير أنّ هذه النصوص، رغم قوتها، فهي تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ (أدب الضحايا)، حيث يُكتب الاعتراف من موقع الألم، لا من موقع السلطة. وهنا تتسع الهوة بين نوعين من الذاكرة: ذاكرة تُبرّر، وذاكرة أخرى تُدين.
أما في الضفة الأخرى، أي من داخل النظام أو في محيطه، فإنّ الكتابة تبدو أكثر ندرة، وأكثر حذرًا. صحيح أنّ كتاب (ذاكرة ملك) المنسوب إلى الملك الراحل الحسن الثاني ظلّ حاضرًا بقوة في النقاش العمومي، لكنّه لا ينتمي إلى هذه المرحلة، بقدر ما يظلّ مرجعًا أساسيا لفهمها.
غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا نوعيًا، تمثّل في ظهور أعمالا جديدة تتجاوز الشكل التقليدي السردي للمذكرات. من بينها كتاب (1964–1994) المغرب: التزام جيل، لكاتبه إبراهيم أوشلح الذي لا يقدّم سيرة فردية، بل شهادة جماعية لجيلٍ سياسيٍّ بأكمله. هنا يتحوّل الاعتراف من ال“أنا” إلى ال“نحن”، من تجربة شخصية إلى ذاكرة مشتركة، وهو تحولٌ يعكس وعيًا جديدًا بطبيعة التاريخ نفسه.
وفي السياق ذاته، يبرز كتاب (السيرة الذاتية لمثقف ووزير مغربي سابق)، الذي يمثّل نموذجًا لاعترافٍ صادرٍ من داخل دوائر القرار. غير أنّ هذا النوع من الكتابة يظلّ محكومًا بمنطق الدفاع، حيث تمتزج الرغبة في التوضيح بنزعةٍ خفية إلى التبرير.
إلى جانب هذه السير الذاتية المباشرة، ظهرت أعمالٌ أخرى يمكن وصفها بـ”الاعتراف غير المباشر”، مثل كتاب (نسج الزمن السياسي في المغرب)، الذي يقدّم قراءةً تحليلية لبنية السلطة، أو كتاب ( الأرشيفات المغربية الأخرى)، الذي يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ من منظور الهوامش. كما يندرج في هذا الإطار كتاب (شذرات من التاريخ المغربي)، الذي يقرأ السلطة عبر شخصياتها، لا عبر خطاباتها الرسمية.
في كتاب آخر من هذه الإصدارات الموسوم ب (كنتُ اتحادياً)، يستعيد الأستاذ عبد الجليل باحدو تجربته داخل اليسار الاتحادي بوصفها سيرةً شخصية تتقاطع مع تاريخ سياسي جماعي، حيث تتحول الذاكرة إلى أداة نقدٍ لا أداة تمجيد، ويغدو السرد مساحةً لكشف تحولات الحلم الاتحادي من وهج الالتزام إلى تعقيداته التنظيمية؛ وفي هذا المسار، يكتب باحدو بنبرة تأملية تُزاوج بين الاعتراف والتحليل، فيقدّم نصاً يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح شهادةً فكرية على علاقة المناضل بحزبه، وعلى أسئلة السياسة في المغرب بين الأمل والخيبة.
وهنا نصل إلى جوهر السؤال والمسألة: ما مدى مصداقية هذه السير الذاتية والمذكرات والاعترافات. هل يمكن الوثوق بتفاصيلها؟ أم أنّها مجرد رواياتٍ ذاتية، تُعيد ترتيب ماضيها بما يخدم حاضرها وتقاعدها السياسي ؟ أم أنها حلقة أخيرة في مسلسل المصالحة مع الذات ومع النظام؟ أم بالأحرى لجلد الذات في أمسها وراهنيتها …
الواقع أنّ الإجابة ليست بسيطة. فكلّ نصٍّ من هذا النوع يحمل جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يبوح بها كاملة. إنّه يضيء زاويةً، ويترك زوايا أخرى في ظلال المسكوت عنه.
ولعلّ ما يميز الحالة المغربية هو هذه الندرة نفسها. فقلة المذكرات ليست علامة على فقرٍ ثقافي، بل مؤشرٌا على حساسية المجال السياسي وإكراهاته، وعلى استمرار ثقافة المثل الشائع “من صمت نجا”.
فكثير من القادة فضّلوا أن “يدسوا أسرارهم معهم في حفرة القبر”، بدل أن ينشروها على الورق ويكشفوها للرأي العام السياسي المحلي والعالمي. وهكذا، فإنّ ما كُتب من تراكم ليس سوى جزءٍ صغير من ذاكرةٍ أكبر، ما تزال تنتظر من يجرؤ على كشفها بكل صدق .
إنّ أدب الاعتراف السياسي في المغرب لا يزال في بدايته، لكنه يحمل في طياته إمكاناتٍ كبيرة. فكلّ مذكّرة أو سيرة ذاتية جديدة هي خطوةٌ نحو كسر جدار الصمت، وكلّ شهادة هي لبنةٌ في بناء ذاكرةٍ أكثر تعددية. غير أنّ الطريق لا يزال طويلًا، والحقيقة لا تزال موزعةً بين نصوصٍ متفرقة، تنتظر قارئًا قادرًا على ترتيبها وجمعها.
وهكذا، تظلّ الذاكرة السياسية في المغرب مثل محاكمة مفتوحة، بلا حكمٍ نهائي. كلّ كتابٍ هو شهادة، وكلّ شهادةٍ احتمال، وكلّ احتمالٍ دعوةٌ جديدة لإعادة النظر. وفي هذا الأفق المفتوح، لا تصبح الحقيقة شيئًا نمتلكه، بل أفقًا نقترب منه… دون أن نبلغه بالكامل.
التعليقات