إمامة المسجد في الغرب بين شرف الاصطفاء ومسؤولية الحفاظ على المكانة

8 أبريل 2026

د. صلاح الدين المراكشي

للإمامة في الإسلام منزلةٌ عظيمة تقوم على الاصطفاء الإلهي والتكليف الرباني، فهي ليست مجرد وظيفة، بل مسؤولية دينية وأخلاقية تُمنح لمن تحقّق فيه العلم والتقوى؛ قال تعالى(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: 32]، وقال مخاطبًا إبراهيم عليه السلام (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) [البقرة: 124]، كما وجّه عباده الصالحين إلى التطلّع إلى هذه المنزلة بالدعاء (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74]، لتكون الإمامة بذلك امتدادًا لرسالة الهداية والإيمان. وهذه المنزلة لا تُنال إلا بتحقّق صفاتٍ رفيعة، في مقدّمتها الصبر، واليقين، والإخلاص، كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]. وهذا المقام سُنّة ماضية في الأنبياء جميعًا، وقد بلغ كماله خاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إمام المتقين، حيث تجلّت إمامته العظمى في معجزة الإسراء والمعراج فصلّى بالأنبياء إمامًا، في دلالةٍ على علوّ منزلته وتمام قيادته.

وفي مقابل هذه الإمامة الراشدة، حذّر القرآن من الانحراف بهذا المقام، مبيّنًا أن الإمامة قد تتحوّل إلى سبيلٍ للضلال إذا فُقدت شروطها، قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) [القصص: 41]؛ وبذلك تتجلّى خطورة هذا المنصب، إذ يكون إمّا طريقًا للهداية أو سبيلًا للغواية، بحسب ما يقوم عليه توجه المرء من إيمانٍ وغيره. وانطلاقًا من مثل هذه المعاني، تتجلى مكانة إمام المسجد في الإسلام بوصفه حاملًا لكتاب الله عزوجل ومبلّغًا له، إذ قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: « إن لله أهلين من الناس… أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، وكما ورد في فضيلة صاحب القرآن: «يقال له يوم القيامة” اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا». فالعلم بالقرآن والعمل به هما أساس رفعة الإمام ومصدر منزلته. ولهذا شدّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على وجوب الاقتداء بالإمام في الصلاة، فقال: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به..»، محذرًا من مخالفته لما في ذلك من إخلال بالنظام.

وقد أدرك السلف الصالح هذه المنزلة، فكانوا يُجِلُّون أهل القرآن ويعظمون شأنهم. فقد رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَلَّ في أعيننا» في إشارة إلى عظيم قدر من يحمل كتاب الله عزوجل، فكيف بمن يحفظه كاملًا ويتصدر لتعليم الناس؟! وإذا انتقلنا إلى واقع المسلمين في الغرب، نجد أن إمام المسجد يحظى في الغالب بتقدير واحترام كبيرين، امتدادًا لما ورثه المسلمون بهذه الديار من تعظيم للعلم وأهله. ويتجلى هذا التقدير في مظاهر متعددة، كحسن مخاطبته، وخدمته، والحرص على حضور دروسه، والتعبير عن محبته بطرق تقليدية معروفة كتقبيل اليد أو الرأس، وهي ممارسات يقصد بها التوقير لا أكثر. ولا يقتصر احترام الإمام على المسلمين فحسب، بل يمتد إلى غير المسلمين أيضًا، حيث يُنظر إليه كمرجع ديني واجتماعي موثوق، يُستشار في القضايا المختلفة، ويسهم في تقديم الدعم الديني الروحي والنفسي، ولا سيما داخل مؤسسات الدولة كالمستشفيات والسجون وغيرها، في إطار القوانين والأنظمة المعمول بها، كما الحال عندنا في فرنسا. غير أن هذه المكانة السامية قد تصادف أحيانًا تحديات واختلالات تؤثر على أداء الإمام وقدرته على القيام بدوره بفعالية، مما يستدعي الانتباه والحذر من قِبل من يهمه الأمر. فقد يُتغاضى عنه أحيانًا

في بعض اللقاءات الرسمية والحوارية، رغم كونه الممثل الطبيعي للجالية المسلمة. كما قد تتعرّض خصوصياته للتدخل، مثل التساؤل عن أموره الشخصية أو المادية، وهو ما يُعدّ تجاوزًا غير مقبول. وفي حالات أخرى، يُستصغر دوره أو يُعامل معاملة الأجير، أو يُخاطب بأسلوب يفتقر إلى الاحترام، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مكانته، ويضعف فعاليته في أداء مهامه. كما قد تصل بعض الممارسات إلى حد أخطر، كالتدخل في مهامه الدينية دون استشارته، أو افتعال مشاكل وخلافات مصطنعة للتأثير على رسالته بدل اعتماد الحوار الصريح والبنّاء. ولا يخفى ما في ذلك من إضرار بمكانة الإمامة وإضعاف لدوره التربوي والدعوي داخل محيطه.

ومن جانب آخر، قد يواجه إمام المسجد بعض التحديات المادية، ومن الحكمة أن يبادر المعنيون إلى تقديم الدعم وتحسين أوضاعه، فمهما قدمنا له من خدمات أو مساندة، فإن ذلك لا يساوي شيئاً مقارنة بما يؤديه من أدوار، إذ أن جهوده وتفانيه في خدمة من حوله لا تُقدر بثمن. فالإمام هو حجر الزاوية في بناء الوعي الديني، وحفظ الهوية، وتعزيز القيم داخل محيطه. وإذا صلحت حاله، صلح حال من وراءه، واستقامت رسالة المسجد في أداء دورها التربوي والاجتماعي والحضاري.

في ختام هذا المقال أوجه رسالة أخيرة إلى من شرّفه الله بالقرآن ورفع منزلته به، لا يستطيع أحد أن ينال من قدره أو يضع من شأنه، كائنًا من كان. غير أن الإنسان قد يكون سببًا في تراجع مكانته إذا فرّط في حق هذا التكريم الإلهي، أو وضع نفسه في موضع لا يليق به، فتكون عاقبة ذلك عليه. وعندئذٍ يصدق فيه قول الله تعالى: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج: 18]. إذ لا عزّ لمن فرّط في أسباب العزّ، ولا رفعة لمن أضاع ما شُرّف به. وقد عبّر المتنبي عن هذا المعنى بقوله : مَن يَهُن يسهُل الهوانُ عليه *** ما لجُرحٍ بمَيْتٍ إيلامُ.

وفقنا لحسن القول والعمل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...