من صراع الحضارات إلى تدمير الحضارات: قراءة في عالم ما بعد السابع من اكتوبر 2023
محمد خياري
منذ نهاية الحرب الباردة والعالم يعيش تحولات عميقة أعادت تشكيل بنية النظام الدولي ومعاني القوة والردع والشرعية. بانهيار الثنائية القطبية اختفى العدو الأيديولوجي الذي حكم العلاقات الدولية لعقود، وظهر فراغ نظري وسياسي حاولت مراكز البحث والفكر في الغرب ملأه عبر أطروحات كبرى، في مقدمتها أطروحة صراع الحضارات، وأطروحة نهاية التاريخ التي رأت في الليبرالية الغربية أفقا نهائيا للتطور الإنساني. هاتان الرؤيتان عبرتا في العمق عن قلق استراتيجي أكثر مما عبرتا عن توصيف علمي محايد، قلق نابع من محاولة إعادة تعريف العدو وتبرير استمرارية الهيمنة في عالم انتفى عنه مبرر الصراع الأيديولوجي القديم.
أطروحة نهاية التاريخ احتفلت بانتصار النموذج الليبرالي اقتصاديا وسياسيا وقيميا، وقدمت هذا الانتصار باعتباره نهاية لمسار طويل من الصراعات الكبرى. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت هشاشة هذا الطرح، حيث لم يتوقف التاريخ ولم تخمد الصراعات، وإنما أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. في المقابل، أطروحة صراع الحضارات وجدت طريقها إلى دوائر القرار، لما توفره من شرعنة ثقافية للصراع وتعبئة نفسية للمجتمعات الغربية عبر نقل مركز الخطر من الايديولوجيا إلى الهوية.
في هذا السياق انتقلت صورة العدو من الخطر الأحمر المتمثل في الشيوعية إلى الخطر الأخضر المرتبط بالإسلام السياسي والحركات الراديكالية. اختفت عمليات خطف الطائرات التي نفذتها جماعات يسارية عابرة للحدود، وتراجعت الهجمات المرتبطة بصراعات أيديولوجية ثورية، لتظهر موجة جديدة من العنف العابر للدول ارتبط اسما وتنظيما بالقاعدة ثم بداعش. هذه التحولات استغلت لإعادة صياغة السياسات الأمنية والعسكرية، وإطلاق برامج تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، وهي برامج مست البنية الاجتماعية والدينية في عدد واسع من دول الجنوب، ووسعت دائرة الاشتباه الجماعي.
خلال أكثر من ثلاثة عقود عاش الرأي العام العالمي حالة متابعة مستمرة لمشاهد العنف والحروب والتدخلات العسكرية. سقطت زعامات حكمت شعوبها بقبضة حديدية لعقود، من بغداد إلى طرابلس ومن أماكن أخرى في المشرق العربي، في إطار تدخلات خارجية رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتهت في كثير من الحالات إلى تفكيك الدولة وإضعاف المجتمع وفتح المجال لصراعات أهلية طويلة الأمد. في الوقت ذاته صعدت قوى كبرى جديدة في آسيا، في الصين والهند وغيرهما، وفق منطق تنموي مختلف يعيد الاعتبار للدولة الوطنية وللخصوصيات الحضارية داخل النظام العالمي.
هذه التحولات تعبر عن انتقال تدريجي نحو عالم متعدد الأقطاب، عالم تتراجع فيه قدرة مركز واحد على فرض قواعد اللعبة بشكل مطلق. هذا الانتقال لم يكن سلميا، وإنما تميز بارتفاع منسوب التوتر والتنافس والصراعات بالوكالة، خاصة في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية العالية. الشرق الأوسط شكل نقطة ارتكاز مركزية في هذا المسار، لما يحمله من رمزية دينية وثقل طاقي وموقع جغرافي حاسم.
بعد أحداث السابع من أكتوبر، دخل هذا المشهد مرحلة أكثر خطورة، حيث انتقلنا من خطاب صدام الحضارات إلى ممارسة تدمير الحضارات. حجم العنف المستخدم، وطبيعة الأهداف، والخروج الصريح عن ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، كلها مؤشرات على تحول نوعي في فلسفة الحرب ذاتها. القوة لم تعد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية محددة، وإنما تحولت إلى غاية قائمة على منطق سحق الخصم وحرمانه من شروط الحياة.
ما يجري في غزة ولبنان يقدم نموذجا صارخا لهذا التحول. التدمير الواسع للبنى التحتية، استهداف المنشآت المدنية، الجامعات، المستشفيات، شبكات الماء والكهرباء، كل ذلك أعاد إلى الواجهة مفهوم الإبادة العمرانية والاقتصادية والمعنوية. الأرض تتحول إلى فضاء غير صالح للحياة، والمجتمع يدفع عمدا نحو التفكك الشامل، في ممارسة تعيد البشرية خطوات إلى الوراء، وتكسر أعراف الحروب التي راكمتها الإنسانية عبر قرون من التجربة والمعاناة.
الحديث عن السلام بالقوة خرج من إطاره النظري ليأخذ شكل ممارسة عارية من كل ضوابط الشرعية الدولية. الدفاع عن النفس توسع ليشمل العقاب الجماعي، والردع تحول إلى تدمير شامل، والقانون الدولي وُضع على الهامش عند أول اختبار حقيقي. هذه الممارسات أنتجت صدمة أخلاقية وسياسية واسعة، ورسخت صورة همجية حديثة تتباهى بالتفوق العسكري وتقدم التدمير المفرط كدليل قوة.
هذا المسار يحمل في طياته مخاطر استراتيجية على من يمارسه قبل من يتعرض له. كسر القواعد الناظمة للنظام الدولي يفتح الباب أمام قوى أخرى لتبني السلوك نفسه، ويقوض ما تبقى من منظومة الضبط الجماعي للنزاعات. حين يتم تجاوز القانون الدولي في حالة معينة، يفقد هذا القانون قدرته الردعية في حالات أخرى، وتتحول العلاقات الدولية إلى غابة تحكمها موازين القوة الصلبة فقط.
المفارقة أن جزءا متزايدا من المجتمعات الغربية بدأ يدرك الكلفة المباشرة وغير المباشرة لهذه الحروب، خاصة في الشرق الأوسط. موجات اللجوء والنزوح الجماعي انتقلت من أرقام في تقارير المنظمات الدولية إلى واقع يومي في المدن الأوروبية. الهجرة بما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أعادت طرح أسئلة الهوية والاندماج والتعايش داخل المجتمعات الغربية نفسها.
هذا الواقع كشف زيف مقولة انتصار حضارة واحدة وهيمنة نموذج ثقافي واحد. الحضارة الغربية التي قدمت نفسها باعتبارها النموذج النهائي وجدت نفسها تواجه تحديات داخلية غير مسبوقة، وتعايشا قسريا مع أنماط ثقافية ودينية متنوعة. الإسلام بمساجده وطقوسه وطريقة عيش أتباعه أصبح جزءا من المشهد اليومي في هذه المجتمعات، ليس بفعل مشروع توسعي، وإنما نتيجة سياسات دولية فجرت مناطق بأكملها ودمرت مدخرات شعوبها ودولها.
التراث الحضاري، من منظور تاريخي وإنساني، يشكل رصيدا مشتركا للبشرية جمعاء. ما وصلت إليه الإنسانية نتيجة تفاعل طويل بين ثقافات وحضارات متعددة، لا يمكن مصادرته أو اختزاله في نموذج واحد. استهداف حضارة أو تدمير بنية مجتمعية كاملة لا يؤدي إلى انتصار حضاري، وإنما يفضي إلى إفقار الإنسانية ككل وإعادة إنتاج دورات عنف جديدة.
التمسك بالشرعية الدولية يشكل اليوم ضرورة حيوية قبل أن يكون التزاما أخلاقيا. ما وقع للولايات المتحدة وإسرائيل من تراجع في الدعم وتباعد في مواقف حلفاء تقليديين، إضافة إلى تحركات قانونية ومطالب بمساءلات دولية، يعكس حدود القوة حين تنفصل عن القانون. الحكام والقادة الذين ظنوا أن التفوق العسكري يوفر حصانة دائمة أصبحوا يواجهون عزلة سياسية وضغوطا قانونية متصاعدة.
في هذا المشهد المعقد، تبقى الدبلوماسية الأفق الوحيد القادر على وقف الانزلاق نحو تدمير شامل للحضارات. رد العدوان وفق الشرائع الدولية والدفاع المشروع عن النفس يشكلان إطارا مقبولا في القانون الدولي، غير أن تجاوز هذا الإطار يضع العالم أمام مرحلة فوضى مفتوحة. الاستقرار طويل الأمد لا ينتج عن الإخضاع الكامل، وإنما عن توازنات معترف بها وقواعد مشتركة تحكم الصراع وتحد من عنفه.
إن التحول من صراع الحضارات إلى تدمير الحضارات يمثل لحظة اختبار حاسمة للنظام الدولي ولضمير الإنسانية. إما إعادة الاعتبار لمنطق القانون والتعدد والاحترام المتبادل، أو الانخراط في مسار تآكلي يعيد البشرية إلى دوائر عنف لا نهاية لها. الخيار ما زال مطروحا، ومسؤولية النخب الفكرية والسياسية مضاعفة في توجيه هذا المسار قبل فوات الأوان.
التعليقات