المسألة القومية ما بين الإسلام السياسي العربي والفارسي
ارام كيوان
في الفروق بين الإسلام السياسي السني والشيعي، ولنقل هذه المرة “الفارسي والعربي”، قد تكون “المسألة القومية” هي أحد هذه الفروقات المهمة إذا ما قرنا تعامل جماعات الإسلام السياسي السني مع مسألة القومية العربية، وتعامل ولاية الفقيه في إيران.
رغم مساحات الالتقاء الواسعة بين القومية العربية والإسلام السياسي “العربي”، إلا أن الدارج في أطروحات الإسلاميين بكبيرهم وصغيرهم هو اعتبار القومية العربية صنيعة استعمارية، أو شيئًا ضارًا بأقل تعبير، وكان سيد قطب يعتبر الأسباب الذاتية للهزيمة نابعة من ثلاثية: “البعد عن الدين – القوميات – الأنظمة الملكية”، لذلك تجد أن الإسلامي يكن عدوانية شديدة للقومية بالرغم من مساحات الالتقاء بينهما.
وعن مساحة الالتقاء الواسعة بين الطرفين، فهي مساحة بحجم “أمة”، لطرفين يطمحان لفكرة توحيد لمجموعات سكانية كبيرة ضمن “أمة”، وكلاهما وصلا ذروتهما في البلدان الريفية الفلاحية -سوريا والعراق- التي حكمها البعث، ونجد لهذا تعبيرًا في لحظات انهيار السلطات العروبية، مع تحول قواعد البعث العراقي الريفية إلى مقاتلي داعش، وقفز الريف السوري إلى الجولانية بعد أن كانوا عماد سلطتي حافظ وبشار الأسد.
بالانتقال إلى الإسلام السياسي الفارسي، عندما سمعت المنشق عن فيلق القدس، جابر الرجبي، يقول شهادة (بصرف النظر عن صدقها من كذبها) في حق المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وهي مقابلة مطولة، ولكن مما ورد على لسانه عنه، أن مجتبى متدين جدًا ومؤمن كذلك بتفوق فارسي والمكانة المميزة للفرس، التي للوهلة الأولى تبدو ثنائية متناقضة، ولكنها ليست كذلك بالمرة.
قد يبدو غريبًا لوهلة أولى أن يكون التدين مصحوبًا بتفوق قومي أو عرقي ما، ولكن في المجتمع الحديث عندما يندمج التدين بالدولة الحديثة فإن من شأنه أن يوظف في هذا الاتجاه، فكل دولة حديثة مهما كانت علمانية تتبنى سياسية دينية ما.
فيما يخص الإسلام السياسي “الفارسي” بالتحديد، فرغم محاولات خميني خميني بجعل تقديم الهوية الوطنية على الدينية كفر، فقد أجبر الواقع نظام ولاية الفقيه على تقديم صيغة فارسية للتشيع، لا تتعارض مع العزة القومية، إنما نوع من التشيع و”التفرس” يذكيان بعضهما.
تنطلق السردية القومية الشيعية من سلمان الفارسي واستحضار المكانة المعتبرة التي كان يحظى بها في مجتمع المسلمين الأوائل، وقربه من علي بن ابي طالب ووفائه له.
لا تتوقف السردية عند سلمان الفارسي، فتمتد إلى زوجة الحسين الفارسية “بيبي شهربانو” وهي ابنة آخر ملوك الساسانيين، ولها مزار خاص للنساء فقط في طهران، طبعًا مع مرويات عن “ثوار” فرس مثل أبو مسلم الخرساني.
المكانة المميزة للفرس في هذه السردية تستقى من أحاديث ومرويات من التراث، ومنها شيء يروى عن الإمام الثامن وفق المعتقد الشيعي، أنه وصف الفرس بأنهم فازوا بمرتبة مميزة بين المسلمين، أي شيء على نمط “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام”.
وبالطبع لا تتوقف السردية هنا، بل تتجذر مع الصفويين (نسبة لصفي الدين الأردبيلي) عندما تشيعوا في مطلع القرن السادس عشر، بقيادة الشاه إسماعيل، الذي قاد معارك عسكرية مع العثمانيين، ولكن إسهام الصفويين الأكبر كان في ترسيخ الفقه الشيعي، وتأسيس الحوزات في قم والنجف، مع مكانة متميزة يحظى بها الفقهاء حتى قبل ولاية الفقيه.
واقعًا لم يقع الإسلام السياسي “الفارسي” بنفس الصدام الذي وقع فيه الإسلام السياسي “العربي”.
ولكن سردية التميز الديني القومي لا تقف عند الماضي، بل يؤمن الإسلاميون الإيرانيون بأن لهم رسالة مستقبلية.
هذه الرسالة يستكملها شخصية من شخصيات آخر الزمان تمهد لظهور المهدي المنتظر، هي شخصية “الخرساني”، وهو واحد من عدة شخصية آخر الزمان التي تكون المقدمة لظهور المهدي، انتصار “الخراساني” على “السفياني” محتومًا لظهور المهدي.
هكذا فإن الإسلام السياسي الفارسي نجح في تأسيس سردية تندمج مع القومية الفارسية وتعطيها مكانية مميزة ومعتبرة، وتعطيها رسالة خلاصية كذلك.
التعليقات