تفكيك المضاهاة العقدية.. من انزياح القول إلى انقطاع المعنى في الوعي الديني
مريم جبارة
تشكل الآية 30 من سورة التوبة لحظة تفكيك جذري لآليات إنتاج الانحراف العقدي، حيث لا يكتفي النص بنفي مضمون مقولات بعينها، بل ينفذ إلى البنية التي تسمح أصلا بظهورها واستمرارها. فالقرآن هنا لا يناقش فقط فكرة نسب الأبوة إلى الله، بل يكشف عن منطق أعمق… كيف تتحول التجربة الدينية من أفق توحيدي مفتوح إلى نظام مغلق يعيد إنتاج نفسه عبر مختلف اللغات والتمثلات.
تبدأ الآية بقوله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿<وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله>﴾ صدق الله العظيم. غير أن أهمية هذا التحديد لا تكمن في توصيف جماعات تاريخية بقدر ما تكمن في إبراز نمط من التفكير يتكرر عبر الزمن. فالقضية ليست في الأسماء بحد ذاتها، بل في الآلية التي تجعل الإنسان يميل إلى تجسيد المقدس، وإدخاله في علاقات بشرية مألوفة، كالأبوة والبنوة. إنها محاولة لتقريب الغيب إلى الأفق الإنساني، لكنها، وعلى النقيض تماما… تنتهي إلى تشويهه، لأن ما لا يدرك باتساع القلب يعاد تشكيله وفق مقاييس عقلية محدودة.
ثم تأتي العبارة المفصلية في قوله تعالى: ﴿<ذلك قولهم بأفواههم>﴾ صدق الله العظيم. هذا التحديد اللغوي بالغ الدقة، حيث أنه يفصل بين «القول» و«الحقيقة». فنجد بأن النص لا يصف هذه المقولات بأنها مجرد أخطاء/انزلاقات فكرية، بل يردها إلى مستوى اللفظ، إلى «الأفواه» تحديدا، في إشارة إلى أن اللغة يمكن أن تتحول إلى وسيط لإنتاج الوهم بدل نقل الحقيقة. هنا تصبح الكلمة كيانا مستقلا، يتداول ويكرر، حتى يكتسب شرعية لا يستمدها من صدقه، بل من كثافة حضوره.
وهذا ما تؤكده تتمة الآية في قوله سبحانه: بسم الله الرحمان الرحيم ﴿<يضاهئون قول الذين كفروا من قبل>﴾ صدق الله العظيم. فالمسألة ليست انحرافا معزولا، بل تكرار لنمط قديم. إن الانحراف، في المنظور القرآني، لا ينتج دائما من فراغ، بل غالبا ما يكون إعادة تركيب لأفكار سابقة، تستدعى وتلبس لبوسا جديدا. وهنا يكشف النص عن قانون ضمني… أن الأفكار حين تفصل عن أصلها التوحيدي، تدخل في دائرة التكرار، حيث يعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، لكنها تحتفظ ببنيتها العميقة.
إن «المضاهاة» هنا لا تعني التطابق التام، بل التشابه البنيوي. أي أن هناك طريقة معينة في التفكير، في بناء العلاقة مع المقدس، تتكرر عبر الثقافات والأزمنة. هذه الطريقة تقوم على إسقاط الأنماط البشرية على الإلهي، وعلى تحويل التجربة الروحية إلى نظام مغلق من التصورات الثابتة. وهنا يفقد الدين حيويته ومرونته، ويتحول من تجربة انفتاح إلى منظومة تمثيل.
ويأتي التعقيب في قوله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ صدق الله العظيم، ليكشف عن خطورة هذا المسار. فـ«الإفك» هنا ليس مجرد كذب، بل انحراف عن الجهة، عن القبلة المعنوية التي ينبغي أن يتوجه إليها الوعي. إنه انزياح في الإدراك، حيث يستبدل الأصل بالفرع، والحقيقة بالتمثيل. وهذا الانزياح لا يحدث فجأة، بل يتراكم عبر الزمن، من خلال تكرار الأقوال، حتى تصبح بديلا عن الأصل.
وإذا أعدنا قراءة هذه الآية في أفق أوسع، نجد أنها تقدم نقدا جذريا للكيفية التي يبنى بها الوعي الديني. فالمشكلة لا تكمن في بنية الاعتقاد، بل في آليات إنتاج هذا الاعتقاد بطرق يعاد بها تدوير المعنى.
ويصبح السؤال: هل هذا الاعتقاد ناتج عن اتصال حي بالمصدر الإلهي، أم عن تداول لغوي يتكرر دون مساءلة؟ هنا يعمل القرآن على التمييز بين «الوحي» كخطاب حي، و«القول» حين ينفصل عن مصدره يتحول إلى بنية قابلة للتكرار والانحراف.
وفي سياق معاصر، يمكن توسيع هذا التحليل ليشمل أشكالا أخرى من «المضاهاة». فكما يعاد إنتاج التصورات الدينية المنحرفة، يعاد أيضا إنتاج أنماط فكرية وثقافية دون وعي بأصولها. بحيث أن كثيرا من الأفكار التي تبدو حديثة ليست إلا صيغا جديدة لبنى قديمة، تستعاد وتكيف مع السياق، لكنها تحتفظ بنفس منطقها الداخلي.
هكذا، لا تكون الآية مجرد رد على مقولات تاريخية، بل كشفا لقانون كوني. أن الإنسان، حين يفقد الاتصال بالمصدر/المركز، يميل إلى إعادة إنتاج المعنى عبر التكرار (تكرار القول حد الانحراف) وليس عبر الاكتشاف. وأن أخطر ما في هذا المسار هو أنه يمنح الوهم صفة الحقيقة، لأن ما يقال كثيرا يصدق، خصوصا في عصر توكيدات الصورة.
وبذلك، يتحول النص إلى دعوة ضمنية لإعادة وصل القول بمصدره النوراني، واللغة بحقيقتها، والاعتقاد بتجربته الحية. فحيث يستعاد هذا الاتصال، تتحرر الكلمة من كونها مجرد صوت، لتصبح أثرا من الحقيقة، وحيث يفقد، تتحول إلى قناع، مهما بدا متماسكا. هنا، يكمن جوهر التحذير القرآني. ليس من الخطأ في ذاته، بل من النسق الذي يسمح له بأن يستمر ويتكرر حتى يصبح بديلا عن الحق.
التعليقات