ملاحظات حول أزمة البحث التاريخي في المغرب
سليمة بن جلون. باحثة مغربية تقيم في أمريكا
لم يعد الحديث عن البحث التاريخي في المغرب ممكنًا خارج إطار الأزمة البنيوية التي تحكم اشتغاله، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمجرد ضعف في الإنتاج أو محدودية في النشر، بل بتحول عميق في طبيعة الحقل الأكاديمي ذاته. لقد أصبح الحقل التاريخي فضاءً تتقاطع فيه علاقات القوة، والرهانات الرمزية، وآليات الإقصاء، بما يجعل إنتاج المعرفة التاريخية خاضعًا لمنطق غير علمي في كثير من الأحيان. ومن هذا المنطلق، يطرح هذا المقال إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يمكن تفسير ركود البحث التاريخي في المغرب من خلال اختلالات بنيوية داخل الحقل الأكاديمي نفسه، بدل الاقتصار على العوامل الخارجية؟
المرجع: Pierre Bourdieu, Homo Academicus, Éditions de Minuit, Paris, 1984، ص 42.
أولًا: الحقل التاريخي كبنية سلطوية: من المعرفة إلى الهيمنة
إن تحليل الحقل التاريخي المغربي يقتضي النظر إليه باعتباره “حقلًا” بالمعنى البورديوي، أي فضاءً للصراع بين فاعلين يمتلكون رؤوس أموال مختلفة (علمية، رمزية، مؤسساتية). وفي هذا السياق، لم يعد التاريخ مجالًا محكومًا فقط بمنطق الحقيقة العلمية، بل أصبح مجالًا تُعاد داخله إنتاج علاقات الهيمنة. فالمواقع الأكاديمية لا تُكتسب دائمًا عبر التفوق العلمي، بل عبر التموقع داخل شبكات النفوذ، مما يحول الحقل إلى بنية مغلقة نسبيًا، تقاوم دخول عناصر جديدة.
المرجع: Pierre Bourdieu, Le champ scientifique, Actes de la recherche en sciences sociales, 1976، ص 88.
ثانيًا: غياب الدعم الحقيقي وإعادة إنتاج الهشاشة البنيوية
يُعد ضعف الدعم أحد المحددات الأساسية للأزمة، غير أن خطورته تكمن في كونه لا يُفهم فقط كغياب للتمويل، بل كغياب لرؤية استراتيجية تجعل من البحث التاريخي أولوية. فالدعم الموجود غالبًا ما يكون شكليًا، لا ينعكس في مشاريع بحث كبرى، ولا في بنية تحتية متطورة، ولا في سياسات تشجع على النشر الدولي أو الرقمنة أو الانفتاح على الأرشيفات. إن هذا الوضع يؤدي إلى إعادة إنتاج هشاشة بنيوية تجعل الباحث يعمل في عزلة، دون شروط علمية ملائمة.
المرجع: المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030، الرباط، 2015، ص 81.
ثالثًا: إقصاء الكفاءات الشابة كآلية لإعادة إنتاج الحقل
من أبرز مظاهر الأزمة ما يمكن تسميته بـ“العنف الرمزي” داخل الحقل الأكاديمي، حيث يتم إقصاء الكفاءات الشابة التي أبانت عن قدرة على التجديد، لصالح إعادة إنتاج نفس الأسماء داخل شبكات مغلقة. ويؤدي هذا الإقصاء إلى ما يشبه “تجميد الحقل”، حيث تغيب الأسئلة الجديدة والمقاربات المبتكرة. كما يدفع العديد من الباحثين إلى مغادرة التخصص نحو مجالات أخرى، مما يشكل نزيفًا داخليًا للرأسمال العلمي.
المرجع: Pierre Bourdieu, La reproduction, Éditions de Minuit, Paris, 1970، ص 123.
رابعًا: منطق الانتقاء المغلق وهيمنة الرداءة
حين تتحكم شبكات محددة في آليات الانتقاء والتأطير، يصبح الحقل محكومًا بمنطق “الانتقاء المغلق”، حيث يتم اختيار نفس الأسماء وإعادة إنتاج نفس المقاربات. ويؤدي هذا الوضع إلى فرض معايير منخفضة للجودة، لأن الأعمال المتميزة تُشكل تهديدًا للبنية القائمة. ومن هنا يمكن الحديث عن “هيمنة الرداءة” كنتاج طبيعي لاختلال آليات التقييم، حيث لا يعود التفوق العلمي هو المعيار الحاسم.
المرجع: Robert K. Merton, The Sociology of Science, University of Chicago Press, 1973، ص 270.
خامسًا: تفكك الحقل وسيطرة منطق الصراع بين الفرق الجامعية
إن غياب التنسيق بين المؤسسات الجامعية أدى إلى بروز منطق الصراع بدل التعاون، حيث أصبحت كل جامعة تشتغل داخل حدودها، دون انخراط في مشاريع وطنية مشتركة. وقد نتج عن ذلك تفكك الحقل إلى وحدات معزولة، مما أدى إلى تكرار المواضيع، وضعف التراكم العلمي، وغياب الرؤية الشمولية للتاريخ الوطني. إن هذا التشرذم يعكس غياب تنظيم مركزي قادر على توجيه البحث، ويحول دون بناء مدرسة تاريخية مغربية متماسكة.
المرجع: Immanuel Wallerstein, World-Systems Analysis, Duke University Press, 2004، ص 115.
سادسًا: هجرة الكفاءات وإعادة إنتاج التبعية المعرفية
تمثل هجرة الباحثين نحو الخارج أحد أخطر مظاهر الأزمة، حيث يفقد الحقل الوطني عناصره الأكثر إنتاجية، في حين يتم إنتاج المعرفة حول التاريخ المغربي في مراكز بحث أجنبية. وتكشف هذه الظاهرة عن خلل في قدرة الحقل على استيعاب طاقاته، كما تؤدي إلى إعادة إنتاج تبعية معرفية تجعل “مركز إنتاج المعرفة” خارج الحدود الوطنية.
المرجع: Samir Amin, Le développement inégal, Éditions de Minuit, Paris, 1973، ص 49.
سابعًا: الحلقة المفرغة للأزمة: قراءة تركيبية
إن تفاعل هذه العوامل ينتج دينامية مغلقة يمكن تمثيلها كما يلي:
إقصاء الكفاءات → هجرة الباحثين → ضعف الحقل → سيطرة فاعلين أقل كفاءة → مزيد من الإقصاء.
وهكذا يتحول الحقل إلى نظام يعيد إنتاج أزمته، حيث تصبح كل محاولة للإصلاح محاصرة ببنية قائمة على الهيمنة والإقصاء.
التعليقات