الفورين أفيرز: مضيق هرمز الذي يختبر نظرية الهيمنة الافتراسية

31 مارس 2026

لطفي الصمدي

تشكل الحرب الدائرة مع إيران وما يرتبط بها من تهديدات لمضيق هرمز اختبارا بالغ الأهمية لطبيعة النظام الدولي الحالي ولمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة. غير أن قراءة هذا المشهد لم تعد تقتصر على منطق الحرب التقليدية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بطبيعة استخدام القوة الأمريكية في المرحلة الراهنة.

في هذا السياق، يكتسب توصيف مجلة Foreign Affairs أهمية خاصة حيث وصف Stephen M. Walt المقاربة الأمريكية في عهد دونالد ترامب بمفهوم “الهيمنة الافتراسية” (predatory hegemony) أي استخدام التفوق الأمريكي لاستخراج أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، سواء من الخصوم أو من الحلفاء أنفسهم، بدل بناء نظام دولي مستقر.

ضمن هذا الإطار يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر للطاقة، إنه نقطة ارتكاز جيوسياسية قادرة على التأثير المباشر في أسواق النفط العالمية وفي حسابات الأمن القومي للدول الصناعية الكبرى، خصوصا في آسيا وأوروبا بل وحتى في امريكا بنفسها. أي تعطيل طويل الأمد للملاحة فيه ينعكس فورا على الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد ما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية.

لكن من الضروري الفصل بين التأثير الطاقي المباشر وبين الاستنتاجات المتعلقة بمستقبل الهيمنة الأمريكية. تعطيل المضيق أو فرض قيود على الملاحة قد يضعف قدرة واشنطن على استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط فعالة على المدى القصير، خصوصا إذا دفعت الأزمة بعض الدول إلى البحث عن ترتيبات بديلة لضمان أمن الطاقة واستقرار الإمدادات.

هذا لا يعني تلقائيا نهاية الهيمنة الأمريكية أو انهيار النظام المالي المرتبط بالدولار (او ما يعرف بالبترودولار). فموقع الدولار لا يستند فقط إلى تجارة النفط بل إلى عمق الأسواق المالية الأمريكية وثقة المستثمرين العالميين ومكانة سندات الخزانة وشبكة المؤسسات النقدية والمالية الدولية التي لا تزال واشنطن تمارس عبرها نفوذا واسعا.

الأثر الأكثر ترجيحا يتمثل في تسريع الانتقال التدريجي من أحادية قطبية أمريكية إلى نظام أكثر تعددية، حيث تسعى قوى مثل الصين والهند وروسيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي وتقليل اعتمادها على واشنطن.

في المحصلة، ينتهي ستيفن والت إلى أن الهيمنة الافتراسية ليست استراتيجية قابلة للاستمرار بل مسار يحمل في داخله بذور فشله. ومن هنا تكتسب أزمة مضيق هرمز أهميتها الاستثنائية، إذ لم تعد مجرد أزمة ممر بحري أو ورقة ضغط إقليمية بل أصبحت أحد أبرز ميادين اختبار القوة الأمريكية وحدودها. فما يجري في هذا المضيق لا يتعلق فقط بمسار الحرب بل قد يسهم في إعادة تشكيل التوازنات الدولية خلال السنوات المقبلة، من أمن الطاقة إلى فعالية العقوبات ومن مكانة الدولار إلى طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى، في عالم يتجه حتما نحو مزيد من التعددية وتآكل الهيمنة الأحادية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...