لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني

30 مارس 2026

كتبه: د.يوسف الحزيمري

الخداع هو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإخفاء وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير من حيث لا يعلم، وهو نوع من الحيلة والمكر، بحيث تظهر للآخر خلاف الحقيقة، أو تستر عنه الصواب؛ لكي تجلب منفعة، أو تدفع مضرةً، وتكون عادة في الخفاء، ويكون في الكلام أو الأفعال، ويجري في العلاقات الشخصية أو في الأعمال التجارية غالبا.

الخداع في اللغة:
أصله إخفاء الشَّيْء، وبه سُمِّيَتْ الخِزانَةُ مُخْدَعاً، قيل: وخَدَعْتُ الشيءَ وأَخْدَعْته: كَتَمْتُهُ وأَخْفَيْته. والخَدْع: إِخفاءُ الشَّيْءِ، وَبِهِ سُمِّيَ المِخْدَعُ، وَهُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ، والخادِعَة: البابُ الصغير في الباب الكبير.

أو من الفساد: قال أبو بكر: معناه: قد أظهر له أمراً أضمر خلافه، من الفساد وما يشاكل الفساد من الأفعال المذمومة.

عن ابن الأعرابي قال: الخادع عند العرب: الفاسد من الطعام وغيره من كُلِّ شَيْء، وأنشد:
(أبيضَ اللونِ لذيذاً طَعْمُهُ … طيِّبَ الرِّيقُ إذا الرِّيقِ ‌خَدَعْ)
أَيْ: فَسَدَ: كَأَنَّهُ يُفْسِدُ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ النَّصِيحَةِ بِمَا يُخْفِيهِ مِنَ الْغِشِّ.

وبه أول أَبُو بكر قَوْله جلّ وعزّ: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البَقَرَة: 9] أي: يفسدون مَا يُظهرون من الْإِيمَان بِمَا يُضمِرون من الْكفْر، كَمَا أفسَد الله نِعَمهم فِي الدُّنْيَا بِأَن أصارَهم إِلَى عَذَاب النَّار.

وفسر الخداع في الآية أيضا بالإخفاء؛ أي: يظهرون الإيمان، ويضمرون الكفر، فيغيب الله تعالى عنهم غير الذي يُظهر لهم، لأنه تعالى يُظهر لهم النعم، ويحسن لهم الحال، ويغيب عنهم ما قد أوجبه عليهم من العذاب، فجازاهم بمثل فعلهم.

وإلى جانب معنى الإخفاء والفساد للخداع استعمل اللفظ في اللغة أيضا بمعنى المنع والإمساك، قال أهل اللغة: َكَانَ فلانٌ يُعطِي فخَدَعَ، أَي أمسك ومَنَعَ، وعَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: الخِداع: المنْع. والخِداع: الْحِيلَة. وقال أيضا: الخَدْع: منع الحقّ.

واستعمل في التلون والمراوغة؛ فخدَع الثَّعْلَب: إِذا أخذَ فِي الرَّوَغان، وَضَبٌّ ‌خَدِعٌ أَي مُراوِغٌ، وَفِي الْمَثَلِ: (أَخْدَعُ مِنْ ضَبٍّ حَرَشْتَه)، وفلانٌ خادعُ الرَّأْي، إِذا كَانَ متلوِّناً لَا يثبت على رَأْي وَاحِد، وتغير من حَال إِلَى حَال؛ يُقَال ‌خدع فلَان تخلق بِغَيْر خلقه، وَقد خدَعَ الدهرُ، إِذا تلوَّن، وخُلُقٌ خادِعٌ، أي متلوِّنٌ. ويقال: سوقُهم خادعةٌ، أي مختلفةٌ متلوِّنةٌ تقوم تارة وتكسد أخرى، وطريق خادِعٌ: غير واضحة، تظهر تارة وتختفي أخرى، وماءٌ خادعٌ: لَا يُهتدى لَهُ.

ومن الاستعمالات أيضا؛ يُقَال: خدع الظبي دخل كناسه، وخدعت الشَّمْس غَابَتْ، وخدعت الْعين غارت أَو لم تنم، وَيُقَال مَا خدعت بِعَيْنِه نعسة مَا مرت بهَا، وخدع الرِّيق أنتن، وخدعت السُّوق كسدت، وَقل وَنقص يُقَال: خدع الرجل قل مَاله، وخدع خير فلَان، وَيُقَال خدع الزَّمَان قل مطره، وخدع الْمَطَر قل، وفي الحديث: (يكون قبل الساعة سنون خداعة) قال الأصمعي: أي يقل فيها المطر، وقيل: إنه يكثر فيها الأمطار، ويقل الريع فذلك خداعها، وَخدع الدَّابَّة حَبسهَا على غير مرعى وَلَا علف، وَفُلَانًا قطع أخدعيه، وَالثَّوْب خدعا ثناه… وخدعه في الشراء أو البيع إذا أظهر له خلاف ما أبطن فضره في ماله.

ومن الألفاظ المشتركة في المعنى مع الخداع: السحر، والغرور، والخب، والمكر، والغبن، والختل، والمدالسة، جاء في المعاجم: خب: خبَّ خبًّا ‌خدع وغش فهو خب، وسَحَرَ ‌خَدَعَ، واغْترَّ بِالشَّيْءِ: ‌خُدِع بِهِ، ومَكَرَ مَكْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ ‌خَدَعَ فَهُوَ مَاكِرٌ وَأَمْكَرَ، والمَكْر: الخَدَاع، والمُدَالَسة: الخِدَاع، والغرور قد يُسمى خدعا، والخدع يُسمى غرُورًا على التَّوَسُّع، والدَّحِلُ: الخَدَّاع للنَّاس، ابْن السّكيت: رجل خَلاّب وخَلَبُوب: خَدَّاع.
والخدعة هي: ما يخدع به الانسان، وما يُلجأ إليه ويدبّر من وسيلة وحيلة للحصول على منفعة، من مكر وحيلة، وتملُّق، وغواية، وتضليل، وخلابة…

الخداع في القرآن الكريم:
قال تعالى: {يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} [البقرة: 9]

قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر بفتح الياء وإسكان الخاء من غير ألف «يخدعون.» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بضم الياء وبألف بعد الخاء وكسر الدال «‌يخادعون».

فذهب جماعة من المفسرين والقراء وأهل اللغة إلى أن معنى القراءتين واحد ف (خادع، وخدع) بمعنى واحد.

جاء في «مجاز القرآن»: «‌يُخادِعُونَ» فى معنى يخدعون، ومعناها: يظهرون غير ما في أنفسهم، ولا يكاد يجيء «يفاعل» إلّا من اثنين، إلا في حروف هذا أحدها.

وقال قتادة: ” نعت المنافق: ‌خَنِعُ ‌الأَخْلاقِ، يُصَدِّقُ بِلِسَانِهِ وَيُنْكِرُ بقلبه، ويخالف بعلمه، ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها.

فهذه الآية من أوائل سورة البقرة جاءت مكملة لما سبقها في تبيان صفات المنافقين وأحوالهم ومواقفهم، حيث تتحدث هنا عن صفة الخداع لدى المنافقين، وكيف ينعكس هذا السلوك عليهم، حيث يحاولون إظهار الإيمان وإبطان الكفر مخادعةً لله وللمؤمنين، لكن الحقيقة أن ضرر هذا الخداع يعود على أنفسهم فقط؛ لأن الله لا يخدع، وهم بجهلهم لا يشعرون أنهم يهلكون ذواتهم.

وقال تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ} [النساء: 142].

فأكدت هذه الآية أن المنافقين يخادعون الله بأعمالهم الظاهرة، لكن الرد الإلهي يأتي بصيغة {وهو خادعهم}، أي أنه يجازيهم على خداعهم بالاستدراج في الدنيا، وبالعدل والعقاب في الآخرة.

والفرق الدقيق: أن آية البقرة ركزت على غفلة المنافق عن حقيقة أنه يخدع نفسه، لأن وَبَالَ هذه الخديعة وعاقبتها راجعة عليه وهو لا يَشْعُرُ؛ بينما آية النساء ركزت على المقابلة والجزاء الرباني لهذا الفعل، أي يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار، فهذا هو المراد من قوله: {‌يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ}.

الخداع في جوامع الكلم النبوي:
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رَسُولُ اللهِ  قال: « ‌الْحَرْبُ ‌خَدْعَةٌ »، قاله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب لما بعث بنعيم بن مسعود ليخذل بين قريش وغطفان ويهود، يريد أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام من غير علم، وَيُقَال إِنَّه صلى الله عليه وسلم أول من تكلم بِهَذِهِ الْكَلِمَة.

قال القاضي عياض رحمه الله في «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»: «وَقَوله ‌الْحَرْب ‌خدعة بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الدَّال كَذَا الْهَرَوِيّ وَأكْثر الروَاة لِلصَّحِيحَيْنِ وضبطها الْأصيلِيّ بِضَم الْخَاء وهما صَحِيحَانِ قَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَبِفَتْحِهَا لُغَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وبالفتح وَحده قَالَهَا الْأَصْمَعِي وَغَيره وَحكى يُونُس فِيهَا الْوَجْهَيْنِ ووجها ثَالِثا خدعة بِالضَّمِّ وَفتح الدَّال ورابعا خدعة بفتحهما فَمن قَالَ خدعة بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الدَّال أَي يَنْقَضِي أمرهَا بخدعة وَاحِدَة أَي من خدع فِيهَا خدعة زلت قدمه وَلم يقل فَلَا يُؤمن شَرها وليتحفظ من مثل هَذَا وَمن قَالَه بِضَم أَولهَا وَسُكُون ثَانِيهَا فَمَعْنَاه أَنَّهَا تخدع أَي أهل الْحَرْب ومباشريها وَمن قَالَه بِضَم الأول وَفتح الثَّانِي فَمَعْنَاه أَنَّهَا تخدع من اطْمَأَن إِلَيْهَا وَإِن أَهلهَا كَذَلِك وَمن فتحهما بِهَذَا الْمَعْنى أَي أَهلهَا بِهَذِهِ الصّفة فَلَا يطمئن إِلَيْهِم فَحذف أَهلهَا وَأقَام الْحَرْب مقامهم كَمَا قَالَ وَسُئِلَ الْقرْيَة وخدعه جمع خَادع وَقد يرجع خدعة إِلَى صفة الْحَرْب نَفسهَا أَي أَن أمورها وتدبيراتها كَذَلِك»

قال الإمام الكرماني: «قوله (خدعة) بضم الخاء وفتحها وكسرها، والظاهر إباحة حقيقة الكذب في الحرب لكن الاقتصار على التعريض أفضل».

قال البغوي في «شرح السنة »: «وفِي الْحدِيث: إباحةُ الخِداع فِي الْحَرْب، وَإِن كَانَ مَحْظُورًا فِي غَيرهَا من الْأُمُور».

وأخرج الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» عن أبي الطفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إنه لا يصلح الكذب إلا في إحدى ثلاث: رجل كذب امرأته ليستصلح خلقها، ورجل كذب ليصلح بين امرأين مسلمين، ورجل كذب في خديعة حرب، إن ‌الحرب ‌خدعة ).

قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذِه أُمُور قد يضْطَر الْإِنْسَان فِيهَا إِلَى زِيَادَة القَوْل، ومجاوزة الصدْق، طلبا للسلامة ورفعا للضَّرَر، وَقد رخص فِي بعض الْأَحْوَال فِي الْيَسِير مِن الْفساد، لما يؤمل فِيهِ مِن الصّلاح، … وَالْكذب فِي الْحَرْب: هُوَ أَن يظْهر مِن نَفسه قُوَّة، ويتحدث بِمَا يُقَوي أَصْحَابه، ويكيد بِهِ عدوه، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: «‌الْحَرْب ‌خدعة».

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ ‌سِنُونَ ‌خَدَّاعَةٌ…) وَفِي حديثٍ مَرْفُوع: (يكون قبل خُرُوج الدجّال سنونَ خَدّاعة) ، السنون الخوادع: القليلة الْخَيْر الفواسد.

وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَوْله (سنُون خدّاعة)، قَالَ: سنُون يقلُّ فِيهَا الْمَطَر. يُقَال خدعَ المطرُ إِذا قلّ،… وَقَالَ غَيره: الخدّاعة الَّتِي يكثُر فِيهَا الْمَطَر، ويقلُّ النباتُ والرَّيع. كأنّه من الخديعة: وَالتَّفْسِير هُوَ الأول.

قال في المخصص: وأمَّا قَوْله فِي الحَدِيث إنَّ قَبل الدّجَّال سِنِينَ خَدَّاعة، فيرون أنَّ مَعْنَاهَا نَاقِصَة الزَّكاة، يُقَال: خَدَع الرجُلُ – إِذْ أَعْطَى ثمَّ أمْسَك، وَقيل: خَدَّاعة قَليلَة المَطَر، يُقَال: خَدَع الزَّمان – قلَّ مطرُه، وَأنْشد: وأَصْبَح الدَّهْرُ ذُو العِلَاّت قد خَدَعا وَهَذَا التَّفْسِير أَقْرَبُ إِلَى قَول النَّبِي .

وقيل: إنه يكثر فيها الأمطار، ويقل الريع فذلك خداعها.

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أنه كان في الأسارى يوم بدر “أبو عزة الجمحي” فمن عليه رسول الله بلا فدية واشترط عليه أن لا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن علي لبناتي وأعاهد أن لا أقاتلك، فقال رسول الله: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين، ثم أمر به فضربت عنقه، وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين).

الخداع في المأثورات من الأقوال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (‌لست ‌بالخب والخب لا يخدعني).

وقال المغيرة: “كان والله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع”.

فهو لبيب، وهو يقظ، وهو كيس فطن، ولا يليق بالعاقل أن يقبل بأن يحتال عليه الخداعون ويتلاعبوا بعقله وماله، ولا يكون المؤمن مخادعاً غادراً، كما لا يسمح بأن يغدر به.

وفي هذا القول: أن نعامل الإنسان كما يحاول أن يظهر لنا، على شرط هو: أنني لو عاملته بذلك لا يضرني، ولا يضر المسلمين. بل ينفعني عند الله، روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(للسائل حق ولو جاء على فرس).

وكَانَ ابْن عُمَر رضي الله عنهما إِذَا رأى واحدا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه، فعرفوا ذَلِكَ من خلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة وَكَانَ يعتقهم، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (من ‌خدعنا ‌فِي ‌اللَّه انخدعنا لَهُ).

قال الشوكاني في “فيض القدير”: «فإذا رأيت من يخدعك وعلمت أنه مخادع فمن مكارم الأخلاق أن تنخدع له ولا تفهمه أنك عرفت خداعه، فإنك إذا فعلت ذلك فقد وفيت الأمر حقه، لأنك إنما عاملت الصفة التي ظهر لك فيها، والإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا لأعيانهم، ألا تراه لو كان صادقا مخادعا فعامله بما ظهر منه، وهو يسعد بصدقه ويشقى بخداعه، فلا تفضحه بخداعه وتجاهل وتصنع له باللون الذي أراه منك، وادع له وارحمه عسى الله أن يرحمه بك، فإذا فعلت ذلك كنت مؤمنا حقا، فالمؤمن غر كريم، لأن خلق الإيمان يعطى المعاملة بالظاهر، والمنافق خب لئيم؛ أي على نفسه، حيث لم يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها».

قال الشيخ إبراهيم الدويش في بعض دروسه: «لا ينافي سلامة القلب والأخذ بالظاهر، ولكنه يعني الحيطة والحذر، فإن هناك من الناس من يستدرج الناس ويستغفلهم ويلبس عليهم، فعليك أن تكون فطناً متنبهاً، فالله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:71]، ويقول سبحانه وتعالى: {وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم:60]».

قال القرطبي رحمه الله: “هذا وصاة بالحذر. . . لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته”.

الخداع في أمثال العرب:
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: (أخدع من ضبَ حَرشْتَه)

جاء في جمهرة الأمثال: «يعنون تواريه فِي حجره، والتخدع التواري،…وَقيل مَعْنَاهُ أَن جُحْره قَلما يَخْلُو من عقرب، فَإِذا أَدخل المحترش يَده لدغته وأنشدوا:

وأخدع من ضَب إِذا خَافَ حارشاً … أعد لَهُ عِنْد الذبابة عقربا

وإنّما قال ذلك لأنهم يزعمون إنَّ بين الضب والعقرب ألفة فتأوي إلى حجره فمن مد يده إليه لسعته.

وقالوا في الضب ذلك لتواريه، وطول إقامته في جُحْره، وقلة ظهوره.

وقالوا: (لَا يُخْدَعَ الأَعرَبي إلَا وَاحِدَةً)، قَالَه أعرابي ‌خُدِعَ مرة ثم سَئِمَ الخداع أخرى.

وقالوا: (مَنْ قَلَّت تَجربتُه ‌خُدِعَ، ومَنْ قَلَّتْ مُبالاتُهُ صُرِعَ)

ومن أمثالهم: (لَعَلَّنِي مُضَلَّلٌ كَعَامِرٍ)، يضرب لمن يطمع في أن يَخْدَعَكَ كما ‌خدع غيرك.

وأصله أن شابَّيْنِ كانا يجالسان المُسْتَوْغِرَ بن ربيعة، فَقَال أحدهما لصاحبه واسمه عامر: إني أخالِفُ إلى بيت المستوغر، فإذا قام من مجلسه فأيقظنى بصوتك، ففطن المستوغر لفعله، فمنعه من الصياح، ثم أخذ بيده إلى منزله، فَقَال: هل ترى بأسا؟ قَال: لا، ثم أخذ إلى بيت الفتى، فإذا الرجل مع امرأته فَقَال المستوغر: لعلني مُضَلل كعامر، فذهبت مَثَلاً.

في الختام، يتضح أن الخداع ليس مجرد حيلة عابرة، بل هو سلوك معقد ترفضه الفطرة السليمة ويحذر منه الشرع الحنيف، خاصة حين يتخذ صفة الملازمة التي تطبع شخصية المنافق. ومع ذلك، فإن الوعي بأساليب الخداع لا يعني مقابلة الإساءة بمثلها، بل يعني التسلح بالفطنة واليقظة التي تجعل المؤمن “كيساً فطناً”، يجمع بين سلامة الصدر وحسن الظن وبين الحيطة التي تمنعه من أن يُلدغ من جحر مرتين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...