اليسار العربي: الارتهان للمشروع الإيراني وسقوط المناعة الفكرية
علي البلوي
لقد نجحت إيران في اختراق بنية اليسار العربي وتجييره لصالح أجندتها التوسعية عبر ذراعها المحوري “حزب الله”، الذي لم يعد مجرد فصيل عسكري بل تحول إلى مؤسسة رعاية وتمويل للأفراد والرموز اليسارية والقومية، من خلال رعاية المنتديات الفكرية والمؤتمرات السياسية التي تخدم الرواية الإيرانية.
وتجاوز هذا الاختراق حدود التنظير ليصل إلى الدعم المادي المباشر لمرشحين في انتخابات الرئاسة والبرلمانات والنقابات المهنية في عدة دول عربية، مما خلق حالة من “الارتهان الوظيفي” المقيت؛ حيث سقطت رمزيات كانت تحسب يوماً على التيار الناصري والقومي والشيوعي في فخ الممول الأخير، وارتمت في حضنه مضحيةً بتاريخها الأيديولوجي في مقابل البقاء في المشهد السياسي أو الحصول على الامتيازات اللوجستية والإعلامية.
وما يدعو للأسف العميق أن دهاقنة كباراً وأعضاء لجان مركزية ممن صدعوا الرؤوس بشعارات “المقاومة” و”السيادة”، ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد موظفين في هيئات تابعة للأمم المتحدة بتمويل ودعم أمريكي مباشر، بل إن بعضهم تورط في ممارسات يندى لها الجبين بخروجهم عن أبسط القيم الوطنية والإنسانية، عبر الإشراف على برامج صحية ومطاعيم مشبوهة استهدفت اللاجئين الفلسطينيين وأدت لعمليات إبادة صامتة من خلال التسبب في العقم، ليتحول “المناضل” المزعوم إلى أداة لضرب ديموغرافيا شعبه وهويته.
وفي مفارقة صارخة، نجد أن هؤلاء “المناضلين” الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بكلامهم الإنشائي حول “رجعية” النظم العربية وتخلفها، باتوا اليوم يحجون إلى عتبات منظمات المجتمع المدني (NGOs) الممولة من أجهزة الاستخبارات الغربية والأمريكية، ويتصارعون فيما بينهم لنيل حظوة الدعم والتمويل.
إن هذا التهافت المخزي يكشف عن خواء فكري تام، حيث يتم استبدال “الثورية” المزعومة ببراغماتية نفعية ضيقة، وتتحول الشعارات الكبرى إلى بضاعة في حقيبة “تاجر شنطة” يتنقل بين عواصم التمويل المشبوه.
إن هذا المشهد السياسي يكشف عن تحول دراماتيكي في قيم ما تبقى من هذه التيارات، التي تحولت إلى قوى تبريرية تفتقر للمناعة الفكرية اللازمة لمواجهة الأزمات الكبرى، حيث وقع هذا اليسار في فخ تبني سردية “محور المقاومة” كغطاء أيديولوجي يبرر التدخلات الإيرانية السافرة، وفي الوقت ذاته يرتمي في أحضان التمويل الاستخباري الغربي عند الحاجة.
ويتجلى هذا السقوط في مواقفهم من الأزمات في سوريا والعراق واليمن ولبنان؛ حيث يتم تصوير المليشيات الطائفية كقوى تحرر، بينما تُهاجم الدولة الوطنية العربية.
إن ظاهرة “تجار الشنطة” تعبر عن تحول النخب اليسارية إلى أدوات “قوة ناعمة” ومقاولين إعلاميين هدفهم الأساسي صناعة الأعذار لكل خرق للنسيج الاجتماعي العربي، وتصوير التغلغل الإقليمي والدولي كضرورة استراتيجية، مما أدى في نهاية المطاف إلى انتحارهم السياسي وفقدانهم لأي حاضنة شعبية حقيقية، بعدما فضلوا أن يكونوا صدىً لمشاريع الهيمنة على حساب الهوية والكرامة الوطنية العربية.
التعليقات