شبح الإمبراطوريات: فارس تنهض في مواجهة روما الشرق الأوسط

24 مارس 2026

محمد خياري

في الشرق الأوسط حاليا، لا تكشف الحرب عن وجهها الحقيقي في صورتها المعلنة التي تذيعها البيانات العسكرية. أحياناً تبدأ بغارة دقيقة تستهدف موقعاً محدداً، أو بصاروخ يقطع السماء ليلاً تاركاً أثراً من نار، أو بطائرة مسيّرة تضرب هدفاً حساساً ثم تختفي في ثنايا الأجواء. لكن خلف هذا التكرار اليومي للمشاهد العسكرية، يتشكل صراع أوسع بكثير من حدود الجغرافيا التي نعرفها، إنه صراع نفوذ وصراع ذاكرة وتجسيد لإرادات إمبراطورية لم تغادر المنطقة قط، وإن تغيرت أسماؤها وأشكالها.

في الأسابيع الأخيرة، انزلق الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران وحلفائهما إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث صعّدت إسرائيل ضرباتها النوعية الموجعة ضد قادة عسكريين ومنشآت حيوية مرتبطة بالبرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين. في المقابل، لم تترك طهران هذه الضربات دون رد، بل عادت عبر شبكاتها الإقليمية الممتدة من لبنان إلى اليمن والعراق، لتشن هجمات صاروخية وبمسيّرات استهدفت العمق الإسرائيلي وقواعد أمريكية وممرات الطاقة الحيوية في الخليج. لقد تجاوز الأمر في طبيعته مجرد تبادل محسوب لرسائل الردع، ليصبح أقرب إلى اختبار مفتوح وحاسم لحدود القوة والاحتمال في المنطقة بأكملها.

إن فهم هذه المواجهة يتطلب النفاذ إلى ما وراء لغة الأمن والاستراتيجية المباشرة، والغوص في أعماق التاريخ. فمن خلال تأمل ما يجري اليوم، تبدو المنطقة وكأنها تستعيد أحد أقدم صراعاتها وأكثرها تجذراً: صراع فارس في مواجهة روما. هذه المقارنة لا تحمل طابعاً حرفياً، لكن منطقها الحاكم يفرض نفسه بقوة، حيث تقف قوة كبرى تتفوق في التنظيم والتكنولوجيا والتحالفات، في مواجهة أخرى أقل موارد، لكنها تمتاز بصبر لا ينضب على الاستنزاف، وقدرة فائقة على تحويل الضعف إلى أسلوب حرب متقن.

في القرن الثالث الميلادي، شكل الساسانيون التحدي الأعظم للهيمنة الرومانية في المشرق، إذ لم يكونوا مجرد قوة حدودية مزعجة، بل إمبراطورية كاملة الإرادة تنازع روما على الأرض والهيبة وطرق التجارة الحيوية. تبقى صورة الإمبراطور الساساني شابور الأول وهو يأسِر الإمبراطور الروماني فاليريان واحدة من أكثر اللحظات تعبيراً في التاريخ القديم عن عمق هذا الصدام، حيث كانت تلك الهزيمة أكثر من مجرد خسارة عسكرية، إذ مثلت صفعة رمزية هزت صورة روما نفسها وهيمنتها التي بدت منيعة.

اعتمدت روما في مواجهتها لهذا التحدي على أكثر من مجرد جيوشها، فقد استندت إلى البنية الكاملة لإمبراطوريتها من طرق معبدة وتحصينات متينة وحلفاء محليين وقدرة هائلة على امتصاط الضربات والعودة إلى القتال. هذا المزيج من العناصر هو الذي يجعل استحضار النموذج الروماني اليوم ممكناً عند النظر إلى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإسرائيل بما تمتلكه من تفوق استخباراتي وتكنولوجي ودعم أمريكي واسع، تبدو أقرب إلى قاعدة متقدمة لقوة إمبراطورية حديثة تستخدم التفوق النوعي لضبط الإقليم ومنع خصومها من تغيير قواعد الردع التي رسمتها.

في هذا السياق، تظهر إيران وكأنها وريثة للروح السياسية والعسكرية الفارسية القديمة، فهي دولة محاصرة تعاني من وطأة الحصار الاقتصادي، لكنها بالغة البراعة في إدارة الحروب الطويلة وتعويض اختلال موازين القوة من خلال توظيف الأدوات غير التقليدية. إيران لا تخوض معاركها بالصيغة الكلاسيكية وحدها، فهي تعتمد على شبكة ممتدة من الوكلاء والحلفاء المحليين، وتستخدم الصواريخ والمسيّرات بكثافة، وتنقل الضغط إلى أكثر من جبهة في وقت واحد لتشتيت خصومها.

هذا الاختلاف في الجوهر يشكل الفارق الأكبر بين الطرفين، فإسرائيل المدعومة أمريكياً تراهن على الضربات الدقيقة التي تقطع الرؤوس وتمنع الخصم من بلوغ عتبة التفوق النووي أو الصاروخي. في المقابل، تراهن إيران على النفس الطويل، وتشتيت الخصم، وإشعاره بأن كلفة الهيمنة التي يدفعها لن تبقى منخفضة كما يريد، وهو ما يجعل هجمات حزب الله أو الحوثيين أكثر من مجرد ردود فعل تضامنية، بل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة إيرانية أوسع تقوم على توسيع ميدان الاشتباك واستنزاف العدو من أطرافه بعيداً عن مركزه.

رغم الفارق الكبير في موازين القوة الصلبة، يظل التاريخ شاهداً على أن التفوق المادي وحده لا يكفي لحسم الصراع، فالولايات المتحدة تمتلك أكبر آلة عسكرية في العالم، وإسرائيل تتفوق تكنولوجياً على خصومها الإقليميين بفارق واضح، لكن إيران لا تواجههما من موقع جيش تقليدي واحد، بل من خلال بنية حرب مرنة وموزعة ومنخفضة الكلفة نسبياً، وهو ما يمنحها قدرة استثنائية على الصمود حتى وهي تتعرض لعقوبات خانقة وضربات متكررة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن العقوبات على شدتها لم تؤدِّ إلى انهيار الدولة الإيرانية أو تفكيك نفوذها الإقليمي، بل طوّرت طهران تحت الضغط نموذجاً خاصاً من التكيف يقوم على اقتصاد مقاومة في الداخل وحرب نفوذ في الخارج واستثمار دائم في أدوات الردع غير المتكافئ. في هذا الإطار، تبدو ترسانة حزب الله الصاروخية مثالاً واضحاً على هذا المنطق، فهي سلاح أقل كلفة من الجيوش النظامية الحديثة، لكنه قادر على تهديد العمق وإرباك الحسابات وفرض معادلة ردع لا يمكن لأحد تجاهلها.

أما الدول العربية، فتقف على هامش هذا الصراع الكبير من دون أن تكون خارجة منه فعلياً، فبعض العواصم الخليجية تميل إلى المعسكر الغربي بوضوح انطلاقاً من حسابات الأمن والخوف من التمدد الإيراني، وبعضها يفضل التموضع الحذر والإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة مع الجميع. فيما تبدو دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن ساحات اشتباك أكثر منها أطرافاً مستقلة في القرار، وهكذا لا يظهر العرب ككتلة موحدة، بل كمساحات متفرقة تتحرك بمنطق البقاء بعيداً عن منطق المشروع الإقليمي الجامع.

لكن الأخطر من هذه الاصطفافات هو ما قد يقود إليه هذا المسار إذا انفلت من عقاله، فالحرب إن اتسعت لن تبقى محصورة بين إسرائيل وإيران، بل قد يتحول مضيق هرمز إلى نقطة اشتعال عالمية، وتصبح أسواق الطاقة رهينة نار مفتوحة، وقد تدخل الجبهات الممتدة من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر في تفاعل متزامن يربك الإقليم والعالم معاً. عندها، لن يكون السؤال فقط حول من يملك الصاروخ الأدق أو الطائرة الأكثر تطوراً، بل حول من يستطيع تحمّل حرب استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات.

هنا يعود التاريخ ليلقي بثقله مرة أخرى، فالحروب الطويلة بين روما وفارس لم تنتج نصراً نهائياً حاسماً لأي طرف، بقدر ما أنتجت إنهاكاً متبادلاً غيّر شكل المنطقة كلها، فالإمبراطوريات لا تسقط دائماً بضربة واحدة، بل كثيراً ما تتآكل من أطرافها وتضعف تحت ثقل الجبهات المفتوحة وسوء التقدير والإفراط في الثقة. هذا التشابه مع الماضي تحديداً هو ما يجعل المشهد الحالي مقلقاً، فالولايات المتحدة منشغلة بمنافسات كبرى في آسيا وأوروبا، وإسرائيل غارقة في حرب مفتوحة في غزة وتوتر دائم على حدود لبنان، فيما تراهن إيران على أن طول النفس قد يكون سلاحها الأهم في هذه المعادلة.

في النهاية، لا تبدو المنطقة أمام مواجهة عسكرية عابرة، بل أمام فصل جديد من صراع قديم يتبدل فيه السلاح وتبقى القاعدة ذاتها راسخة، وهي أن لا أحد يربح بسهولة في الشرق الأوسط، وكلما ارتفع منسوب القوة ارتفع معه منسوب الوهم بإمكانية الحسم السريع. غير أن دروس التاريخ تقول العكس، فالإمبراطوريات مهما بلغت قوتها لا تهزم خصومها دائماً حين تريد، ولا تخرج من الحروب الطويلة كما دخلتها. لهذا، فإن خفض التصعيد يمثل ضرورة استراتيجية وليس خياراً أخلاقياً فقط، فالحروب المفتوحة قد تمنح قادة اليوم لحظات تعبئة وانتصار رمزي، لكنها كثيراً ما تترك الدول أضعف والمجتمعات أكثر هشاشة والمنطقة كلها أقرب إلى فوضى لا يمكن التحكم بمآلاتها، ففي الشرق الأوسط، النار لا تحرق الخصم وحده، بل تمتد دائماً إلى خرائط أبعد مما يتخيل اللاعبون.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...