اليسار المغربي والحرب الإيرانية: قراءة نقدية
منتصر حمادة
في كتاب “المسلمون والإسلاموية في فرنسا”، تطرقنا إلى ظاهرة “اليسار الإسلامي” [islamogauchisme] في نسختها الفرنسية، وتضمنت الوقفة خمس محطات، من قبيل استعراض أهم رموز “اليسار الإسلامي” هناك، تحولات النخبة الفرنسية في الظاهرة نفسها، أهم التيارات التي تصنف في خانة الظاهرة، وأخيرا، المحور الذي يهمنا أكثر في هذه المقالة، استعرضنا مجموعة من الأسباب المركبة لظهور “اليسار الإسلامي”، وقصدنا بالتحديد الاتجاه المتحالف مع المشروع الإخواني، لأنه الاتجاه الذي يُثير القلاقل البحثية والإعلامية لدى النخبة اليمينية على الخصوص، وبدرجة أقل لدى بعض النخب اليسارية، بخلاف الاتجاه الأول، أي اليسار المدافع عن قضايا الإسلام والمسلمين، لأنه اتجاه عريق وإنساني النزعة، ومنصف أكثر، وبعيد عن القلاقل السياسية والإيديولوجية مقارنة مع ما نعاين مع الاتجاه الثاني.
سبب هذا التذكير ــ الذي يهمنا إشارة منه سنتطرق إليها ــ معاينة تفاعل العديد من الأقلام اليسارية في المغرب، والمنطقة المغاربية والعربية، مع أحداث الحرب القائمة في المشرق بين المشروع الإسرائيلي والمشروع الإيراني، مع حضور بدهي للإدارة الأمريكية باعتبارها أهم حليف للمشروع الأول سالف الذكر.
سوف نترك جانبا بالطبع تبعات طرح أسئلة اختزالية وموجهة من قبيل أي المشروع أهون بين الأول والثاني، وأيهما أولى، وأيهما الأخطر على المنطقة العربية، وهي أسئلة مضللة وتغذي تزييف الوعي، كما أنها تساهم في تحريف النقاش، بقدر ما يهمنا قراءة هذا الولاء شبه المطلق للأقلام اليسارية المغربية، أو لنسبة معينة مما تبقى من هذا اليسار، للنظام الإيراني، وهذا يحيلنا على إشارة جاءت في كتاب “المسلمون والإسلاموية في فرنسا”، حيث اتضح أنه من بين أسباب تحلف الإسلاميين (من التيار الإخواني بالتحديد وليس التيار السلفي الوهابي، العلمي أو الجهادي) مع اليساريين، نجد عدة أسباب، ومنها السبب نفسه عند طبيعة التيار في المغرب والمنطقة العربية، وعنوانه تصفية الحسابات مع صناع القرار، وبالتحديد تصفية الحسابات مع الدولة الوطنية، لأنه سواء تعلق الأمر بمراهقات العقل اليساري أو مراهقات العقل الإخواني، تبقى الدولة الوطنية الحديثة، بعيدة عن النموذج الطوباوي الذي تربى عليه الأتباع، سواء مع المرجعية اليسارية في صيغة الدعاية لـ”دولة البروليتاريا”، أو مع المرجعية الإخوانية في صيغة الدعاية لـ”دولة الخلافة”، كأننا إزاء تصفية حسابات نفسية مع هذا الشكل الحديث للدولة الوطنية، تُعتبر قاسما جامعا لأوهام المرجعية اليسارية والمرجعية الإخوانية.
مما يغيب أيضا عن الجهاز النظري لما تبقى من هذا التوجه اليساري، التذكير بمصير اليسار الذي تحالف مع الخميني من أجل إسقاط نظام شاه إيران، وهذا معطى مسكوت عنه أو طابو، ولمن سابع المستحيلات قراءة أي إشارة حوله في مواقف هؤلاء اليوم، سواء في المقالات أو في التدوين الرقمي، ومفاده أنه في عام 1982 تم إعدام واعتقال الآلاف من الشيوعيين الإيرانيين بأمر الخميني، وتم إذلالهم عبر شاشات التلفاز، كما تم حلّ حزب تودة، واعتقلت السلطات 5000 عضوا في الحزب نفسه، أعدموا ضمن إعدامات المعارضين في العام 1988، إضافة إلى الإعلان عن وفاة 14 عضوا في اللجنة المركزية للحزب داخل السجون، أي الحديث عن نخبة الحزب.
ودون الحديث أيضا عما قام به المشروع الإيراني في المنطقة العربية خلال العقود الماضية، سواء مع مشاريع “تصدير الثورة” أو “تصدير التشيع”، أو ما قام به عمليا، بالمجازر والإرهاب والتقتيل في العديد من الدول العربية بعد اندلاع أحداث 2011. أحد اليساريين المغاربة، من الذين كنا نعتقد أنهم عقلاء، ترك جانبا مجمل هذه الجرائم والعمليات الإرهابية، بما فيها العمليات الصادرة عن الإرهاب الشيعي، واختزل الأمر في عبارة “لنترك جانبا موقفنا من النظام الإيراني”، من أجل التفاعل مع أرقام تهم عدد المهندسين والتقنيين في الساحة الإيرانية، في سياق الدفاع عن المشروع الإيراني، وإذا هذا الموقف صادرا عن قلم بحثي يساري المرجعية، فلنا أن نتصور مواقف يسار المراهقة والشعبوية، ضمن أمثلة أخرى.
بل إنه موازاة مع تحرير هذه الكلمات، صدرت مقارنة بين عدد الصواريخ الإيرانية التي استهدفت إسرائيل والدول الخليجية، واتضح أن أكثر من 4911 صاروخا ومسيّرة إيرانية استهدفت دول الخليج العربي، مقابل 850 صاروخا تم توجيهها لإسرائيل، ضمن أمثلة أخرى دالة.
لاحظ الباحث ماجد الكيالي أن “الحرب الراهنة لا تحجب حقيقة أن النظام الإيراني ذاته كان الطرف الإقليمي الأكثر فعالية في دول المشرق العربي، منذ عام 2003، أي طوال أكثر من عقدين، إذ كان بمثابة الشريك الإقليمي الأكبر للولايات المتحدة، إبان غزوها العراق (وغزوها أفغانستان)، حيث سلمت العراق لأمريكا على طبق من فضة عبر الميليشيات الطائفية التابعة له، وعبر صوغ دستور يقوم على المحاصصة الطائفية في ذلك البلد، مع تسهيل الحاكم العسكري بول بريمر كل ذلك بحله كل أجهزة الدولة العسكرية والمدنية والخدمية في العراق”، بل “بات النظام الإيراني في العقدين الماضيين يفعل كل شيء لتصديع بني الدولة والمجتمع في المشرق العربي، بحيث إنه هو بالذات الذي قدم خدمة كبيرة لإسرائيل، إذ إنه استطاع في العقدين الماضيين، فعل ما لم تستطع إسرائيل فعله منذ قيامها في سنة 1948”. وهذا غيض من فيض.
هذا عن اتجاه واحد في تحولات اليسار، والأمر نفسه مع “يسار الناتو” الذي أيد القوات الأمريكية من أجل إسقاط نظام صدام حسين، أو “يسار الكافيار” الذي لا يوجد لديه أدنى حرج في التعاون مع الشيطان من أجل مصالحه الشخصية، أيا كانت حساباته الإيديولوجية، وتيارات يسارية أخرى، قاسمها المشترك الذي لا تنتبه إليه، أنها أقلية عددية وتنظيمية وثقافية، ولا تمثل شيئا في موازين القوى السياسية، لكنها تحسب أنها تحسن صنعا.
أما مواقف الإسلاميين المغاربية من الحرب نفسها، من سلفيين وإخوان، فهذه حكاية أخرى.
التعليقات