فوبيا المغرب: حين يتكلم القانون ويعلو الضجيج
محمد بشاري
لم يعد الجدل الذي رافق نهائي البطولة الإفريقية مجرد نقاش رياضي عابر حول نتيجة مباراة أو قرار انضباطي، بل تحوّل إلى مشهد أوسع يكشف حالة من التوتر الخطابي يمكن وصفها بـ «فوبيا المغرب»؛ تلك الحالة التي يصبح فيها التفوق موضوعاً للريبة بدل أن يكون دافعاً للتنافس والتطوير. فبدل أن يُقرأ الحدث في سياقه القانوني والرياضي الطبيعي، انجرفت بعض المنابر والجماهير في موجة من التعليق والانفعال بدت أحياناً بعيدة عن جوهر الواقعة نفسها.
لقد كان القرار الذي اتخذته لجنة الانضباط داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تعبيراً عن تفعيل نصوص قانونية ولوائح تنظيمية وافقت عليها جميع الاتحادات الوطنية دون استثناء. فالكرة الحديثة لم تعد مجرد مهارة فوق العشب الأخضر، بل منظومة مؤسساتية تحكمها قواعد دقيقة تبدأ من الانضباط السلوكي وتنتهي بحماية صورة المنافسة نفسها. وتنص لوائح الكاف، كما هو الحال في أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم، على عقوبات واضحة في حالات الانسحاب من المباراة أو تعطيلها أو رفض استكمالها، سواء كان ذلك انسحاباً كلياً أو جزئياً. فالمسؤولية عن ضمان سير المباراة تقع على عاتق الفريق كما تقع على عاتق المنظم، وأي إخلال بهذه القاعدة يعرّض المخالف لعقوبات قد تصل إلى اعتبار النتيجة خاسرة أو الإقصاء أو الغرامات.
هذه الإجراءات ليست سابقة في تاريخ الكرة الإفريقية أو الدولية، فقد شهدت المنافسات عبر عقود محطات مماثلة فُعّلت فيها النصوص نفسها حين اختارت بعض الفرق الاحتجاج بأساليب ميدانية بدل اللجوء إلى المساطر القانونية. غير أن اللافت هذه المرة لم يكن القرار ذاته بقدر ما كان حجم الضجيج الذي رافقه في فضاءات لم تكن طرفاً مباشراً في المباراة أو في الملف القانوني. فقد اتسعت رقعة السجال إلى درجة بدا معها التنافس الرياضي وكأنه صراع رمزي بين دول وجماهير لا علاقة مباشرة لها بالميدان، في مشهد يعكس إشكالية أعمق في الثقافة الرياضية الإفريقية والعربية معاً.
إن الميل إلى تسييس الرياضة أو تحويلها إلى مساحة لتصفية حساسيات تاريخية أو تنافسات معنوية ظلّ أحد العوائق الكبرى أمام تطور كرة القدم في القارة. فالنجاح الذي حققه المغرب في السنوات الأخيرة — سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات أو التنظيم — لم يُقرأ دائماً بوصفه مكسباً جماعياً لإفريقيا، بل قُدّم أحياناً كسبب للتوجس أو النقد الحاد. وهنا تتجلى المفارقة: بدل أن يتحول التفوق إلى نموذج يُحتذى أو تجربة تُستلهم، يصبح مادة للجدل والانقسام، وكأن التقدم الذي تحققه دولة إفريقية واحدة يهدد الآخرين بدل أن يفتح أمامهم آفاقاً جديدة.
ولا يجادل منصف في أن وصول الفريقين إلى النهائي كان ثمرة استحقاق رياضي حقيقي. فقد أظهرت البطولة — كما في بطولات سابقة — أن منطق التطور يفرض نفسه، وأن الفرق التي لم تعد قادرة على مجاراة النسق العالي للمنافسة تجد نفسها خارج الصف الأول. وهذا قانون طبيعي في الرياضة كما في الاقتصاد والسياسة: التقدم لا ينتظر المترددين. فالإنجازات لا تُصنع بالشعارات ولا بالضجيج الإعلامي، بل بعمل طويل واستثمار مستمر في التكوين والبنية التحتية والحكامة الرياضية الحديثة. وهي معادلة يدركها كل من تابع مسار الكرة المغربية خلال العقد الأخير، حيث تراكمت النجاحات تدريجياً حتى بات حضورها القاري والدولي أمراً واقعاً.
اليوم، يقف الاتحاد الإفريقي أمام لحظة مفصلية: إما أن يُفعّل اللوائح بصرامة ويبعث رسالة واضحة بأن زمن الفوضى الكروية قد انتهى، أو أن يترك الباب مفتوحاً لممارسات تسيء إلى سمعة القارة وتكرّس صورة نمطية عن ضعف الحوكمة الرياضية فيها. إن تنفيذ القوانين المتفق عليها ليس انتصاراً لفريق على آخر، بل انتصار لمنطق المؤسسة على منطق الانفعال، ولثقافة الاحتكام إلى المساطر بدل اللجوء إلى الضغط والانسحاب والمشاحنات التي أضرت بصورة الكرة الإفريقية لعقود طويلة.
ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن التنافس الرياضي لا يجب أن يتحول إلى توتر بين الشعوب. فالسنغال، كما باقي دول إفريقيا، شريك تاريخي وثقافي للمغرب، وروابط الأخوة بين الشعوب أعمق بكثير من لحظات انفعال تُضخّمها منصات التحريض والضجيج الرقمي. الرياضة وُجدت لتقريب المسافات لا لتوسيعها، ولتعليم الأجيال معنى الفوز النظيف والخسارة الكريمة، لا لتكريس الانقسام أو تغذية خطاب الكراهية.
إن ما نحتاجه فعلاً هو تحويل لحظات التوتر إلى فرص للتفكير الجماعي: كيف يمكن للكرة الإفريقية أن تتقدم؟ كيف يمكن للإعلام والجماهير أن يساهما في ترسيخ ثقافة التنافس الشريف بدل تأجيج الصراعات؟ وكيف يمكن للنجاحات الفردية للدول أن تتحول إلى مكاسب جماعية للقارة بأكملها؟
سيبقى القانون هو المرجع، والعمل هو الفيصل، والتاريخ الكروي لا يحتفظ إلا بما يُبنى على أرض الواقع. أما الضجيج العابر، مهما اشتد، فإنه يذوب سريعاً أمام حقائق الإنجاز والتراكم. والمغرب، كما يبدو من مساره، ماضٍ بثبات في مشروعه الرياضي والتنظيمي، لا بحثاً عن جدل إضافي، بل سعياً إلى ترسيخ نموذج إفريقي حديث في الإدارة والتنافس والاحتراف. ففي زمن تتكلم فيه القوانين بوضوح، لا يبقى للضجيج إلا أن يتلاشى أمام صوت العمل والإصرار.
التعليقات