المهدي المنتظر بين السنة والشيعة: تناقض التصورات وسؤال الحقيقة
الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
في خضم التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها العالم الإسلامي، تبرز من حين لآخر قضايا تراثية تستدعي إعادة النظر والتفكيك، ليس من باب الهدم أو المصادمة، وإنما من منطلق البحث عن الحقيقة وتحرير الوعي من التراكمات التي قد تكون امتزجت فيها العقيدة بالخرافة، والدين بالتاريخ، والوحي بالتصورات البشرية.
ومن بين هذه القضايا التي شغلت العقل الإسلامي عبر قرون طويلة، فكرة “المهدي المنتظر” التي تحولت من مجرد روايات متفرقة إلى عقيدة راسخة لدى بعض الفرق، بل وإلى أداة للتعبئة النفسية والسياسية في كثير من السياقات.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الموضوع، هو غياب أي نص قرآني صريح أو ضمني يشير إلى فكرة “المهدي المنتظر” بوصفه شخصية مستقبلية ستظهر في آخر الزمان لتملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. فالقرآن الكريم، باعتباره المصدر الأول للتشريع والعقيدة في الإسلام، لم يتحدث عن هذه الشخصية، رغم تفصيله لقضايا كبرى تتعلق باليوم الآخر، والبعث، والأنبياء، وسنن التاريخ.
ولو كانت قضية المهدي من أصول الدين أو من ركائز العقيدة، لكان من المتوقع أن يرد لها ذكر واضح في القرآن، كما وردت قضايا أقل شأناً من حيث التأثير العقدي.
أما على مستوى الحديث النبوي، فإن الروايات المتعلقة بالمهدي تختلف من حيث القوة والثبوت، وقد خضعت عبر التاريخ لنقاش واسع بين علماء الحديث. فبينما ذهب بعضهم إلى تصحيح عدد من هذه الأحاديث، رأى آخرون أنها لا تخلو من ضعف أو اضطراب أو حتى وضع، خاصة في ظل السياقات السياسية التي نشأت فيها.
ولا يمكن إغفال أن فكرة “المنقذ” أو “المخلّص” كانت حاضرة في العديد من الثقافات والأديان السابقة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تأثر بعض التصورات الإسلامية المبكرة بهذه الخلفيات، خصوصاً في الفترات التي شهدت احتكاكاً حضارياً وثقافياً واسعاً.
وإذا انتقلنا إلى المقارنة بين التصورين السني والشيعي للمهدي، نجد أنفسنا أمام اختلافات جوهرية لا يمكن تجاهلها. ففي الفكر السني، يُنظر إلى المهدي كشخص سيولد في المستقبل، ويكون رجلاً صالحاً من نسل النبي، يظهر في زمن الفتن ليقيم العدل.
أما في الفكر الشيعي الإمامي، فالمهدي هو شخصية محددة، هو محمد بن الحسن العسكري، الذي وُلد بالفعل في القرن الثالث الهجري، ثم دخل في “غيبة كبرى” لا يزال فيها إلى اليوم، وسيعود في آخر الزمان.
هذا التباين العميق في تحديد هوية المهدي وطبيعته الزمنية (مولود مستقبلي أم موجود غائب) يطرح تساؤلات جدية حول مدى تماسك هذه الفكرة في أصلها.
إن الإيمان بشخص غائب منذ أكثر من ألف سنة، لا يُرى ولا يُعرف مكانه، ومع ذلك يُنتظر أن يعود ليغير مجرى التاريخ، يثير إشكالات عقلية ومنهجية كبيرة. فكيف يمكن التوفيق بين هذا التصور وبين السنن الإلهية التي تقوم على الأسباب والنتائج، وعلى مسؤولية الإنسان في التغيير؟ أليس في ذلك نوع من تعليق الأمل على قوة خارقة، بدل تحفيز الإنسان على الإصلاح الذاتي والمجتمعي؟
إن تحويل فكرة العدالة إلى مشروع مؤجل بظهور “المهدي”، قد يؤدي عملياً إلى تبرير العجز والاستسلام للواقع، بدل مقاومته والعمل على تغييره.
كما أن التاريخ الإسلامي نفسه شهد ظهور العديد من الشخصيات التي ادعت المهدوية، مستغلة هذا الاعتقاد المتجذر في وجدان الناس. وقد أدت هذه الادعاءات في كثير من الأحيان إلى اضطرابات سياسية، وحروب، وسفك دماء، باسم تحقيق العدل الإلهي.
وهذا يدل على أن الفكرة، حين تُفهم بشكل غير نقدي، يمكن أن تتحول إلى أداة خطيرة في يد الطامحين إلى السلطة أو الباحثين عن الشرعية الدينية.
من جهة أخرى، فإن ربط العدالة الإلهية بظهور شخص معين في نهاية الزمان، قد يتعارض مع مبدأ قرآني أساسي، وهو أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فالقرآن يحمّل الإنسان مسؤولية إصلاح واقعه، ويؤكد أن التغيير يبدأ من الداخل، من الوعي، والإرادة، والعمل.
أما انتظار “المهدي”، فقد يُفهم – في بعض القراءات – كنوع من الهروب من هذه المسؤولية، أو تأجيلها إلى زمن غير معلوم.
ولا يعني هذا الطرح بالضرورة إنكار كل ما ورد في الأحاديث المتعلقة بالمهدي، أو الجزم ببطلانها، وإنما الدعوة إلى إعادة قراءتها في ضوء القرآن، والعقل، والسياق التاريخي. فقد يكون من الممكن فهم هذه الروايات على أنها تعبير رمزي عن أمل إنساني في تحقق العدالة، أو دعوة إلى وجود قيادة صالحة في أزمنة الفتن، دون أن تتحول إلى عقيدة جامدة تُنتظر فيها شخصية خارقة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفكر الإسلامي اليوم، ليس في إثبات أو نفي شخصية المهدي، بقدر ما هو في تحرير العقل من التبعية غير النقدية، وإعادة بناء الوعي الديني على أسس راسخة من النص الصحيح، والفهم العميق، والانسجام مع سنن الكون والحياة.
فالدين الذي جاء لتحرير الإنسان من الخرافة، لا ينبغي أن يُستخدم لتكريسها، ولا أن يتحول إلى منظومة من الانتظارات الغيبية التي تعطل الفعل الإنساني.
وفي الختام، يمكن القول إن فكرة المهدي المنتظر، كما تُطرح في كثير من الأدبيات، تحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة، تميز بين ما هو نص قطعي، وما هو اجتهاد بشري، وما هو تأثير ثقافي أو سياسي.
فالإسلام في جوهره دين حركة وعمل، لا دين انتظار وسكون، ودعوته الأساسية هي إقامة العدل هنا والآن، بجهد الإنسان وإرادته، لا تعليقها على ظهور شخصية غيبية قد تأتي أو لا تأتي.
التعليقات