“الحضرة” في السياق الليبي: قراءة في أنساق وديناميات أداة أسهمت في تشكل الوعي
د. أسامة علي بن هامل، رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية. طرابلس
كتب الفاضل المفضال د. إدريس القائد، على مدار ثلاث حلقات، مقالا نشره على صفحته، وعنونه بــ”أنثروبولوجيا الحضرة الصوفية المغاربية: محاولة للفهم”. وعلى ما فيه من فوائد وطرح زوايا وأبعاد في التحليل الانثربولوجي الثقافي، لا سيما أنه سبق أن شاركنا الكثير من الصور التي عايشها في حياته المباركة في كتابه الحفي الثري “على حافة العمر، شذرات من الذاكرة”، فإنني توقفت عند العديد من أبعاد قراءاته، وكلي أمل في أن يتقبل نقدي، الذي يهدف إلى تطوير الأفكار. وسأعرض ملاحظاتي في عدة حلقات، حتى لا يثقل طول النص على القارئ.
في الواقع، فإن “الحضرة” أو “السماع” في السياق الليبي – إذا تجاوز أصل وظيفتها التربوية الصوفية – تمثل بنية مركبة اشتغلت داخل المجتمع كآلية لإنتاج المعنى وتنظيمه، فشكلت فضاء لإعادة بناء العلاقة بين النص والسلوك المعاش بحيث مثلت عناصرها حوامل للمعرفة، فالذكر والقصائد والاجتماع أدوات لترسيخ الانتماء، بل لبنائه، في حين أدى الإيقاع والمظهر والشكل دورا في تنظيم الجماعة، فبرزت أبعاد في “الحضرة” لتعكس اضطلاعا بدور تداولي في نقل الذاكرة وصياغة الوعي الجمعي.
ولن أطيل هنا، إذ سأفصل في حلقات لاحقة كيف تحولت “الحضرة” إلى ظاهرة فكرية وثقافية في السياق الليبي، استدعت نقاشات ومناظرات وردودا، من أشهرها ما كتبه الأستاذ أحمد زروق، إلى جانب المناظرات التي ووجه بها الأستاذ الكبير الإمام عبد السلام الأسمر في دوره المركزي في تحديث “الحضرة” كمظهر من مظاهر التحديث في مدرسة الفنون والشعر، مرورا بالعشرات مما كتب في هذه القضية بين مدارس التصوف، العروسية والمدنية والناصرية، وغيرها. كما سيتبين لنا أن “الحضرة” في الحالة الليبية اكتسبت مشهد الظاهرة الثقافية في خصوصية موقعها الوسيط بين دوائر التأثير المشرقي والمغاربي، وبقدرة أساتذة المدرسة الليبية على تحويلها إلى أداة ثقافية واعية أسهمت في تثبيت الهوية وصيانتها داخل سياقات مضطربة. وسنكتشف أيضا كيف تحولت “الحضرة” إلى عنوان بارز لعملية تحديث وتجديد قادها الأستاذ الليبي الكبير أحد أكبر رموز الوطنية الإمام الأسمر في الحركة الأدبية المغاربية والمشرقية، إلى حد يجعله جديرا بأن يذكر في مصاف كبار المجددين في تاريخ الأدب والفنون في الإسلام.
لكن قبل ذلك، يحسن التوقف عند مسألة التصوف ومؤسسة الزاوية، أو ما درجت الدراسات على وصفه وصفا حوشي غريب ولا علمي بـ”التصوف الطرقي”، وتحديدا في السياق الليبي الذي نفخر ونعتز بأن طرابلس، حاضرة البلاد، عرفت فيه التصوف مبكرا، ليس في نطاق المغرب الإسلامي فقط، بل في أفريقيا عموما، على يد العالم الطرابلسي عبد الله الشعاب (ت 243هـ/ 858م)، بل وفيها وعلى يديه تطور التصوف سريعا ومبكرا ليأخذ طابعا مؤسسيا من خلال بنائه لأول زاوية، لا في كل أفريقيا، بل تعد زاوية الشعاب ثالث زاوية في كل تاريخ الإسلام بعد زاويتين، الأولى في البصرة والثانية في دمشق.
ومعنى ذلك أن التصوف في ليبيا انتقل مبكرا إلى طور المؤسسة، وبلغ من النضج حدا جعل رجاله يُقارنون بكبار أعلام التصوف في المشرق، ويكفي في ذلك شهادة الإمام سحنون، الذي أقام بطرابلس ثلاث سنين، عندما سُئل عند عودته من الحج: من رأيت من الصالحين؟ قال: “لقيت بطرابلس رجالا ما الفضيل بن عياض بأفضل منهم”، وهو قياس يكشف عن المستوى الذي بلغته تلك البيئة الليبية في ذلك الزمن حتى أنه جعل متصوفي طرابلس في مستوى أكبر صوفي في تاريخ المشرق وهو الفضيل بن عياض، ولا شك أن سحنون، المتوفى سنة 240 هــ، كان يشير إلى عصر الشعاب وما قبله. وأكثر من ذلك فنموذج زاوية الشعاب سريعا ما عمم، فانتشرت الزوايا في طرابلس، كما يشهد بذلك كل من أبو عبيد البكري في القرن الخامس الهجري، وزكريا القزويني في القرن السابع، حيث أشارا إلى كثرتها، مما يعكس حضورها الواسع لتستدعي انتباهما، وهما من كبار المؤرخين والجغرافيين، وكل ذلك وأكثر بحثه بما لا مزيد عليه شيخنا العارف بالله سيدي أحمد القطعاني في موسوعته، في مبحث عام عنونه بــ”ليبيا هبة التصوف”. ( ينظر: موسوعة القطعاني، ج1، ص ….)
ويجدر بنا التوقف مليا لمواجهة أي اعتراض في تسمية مؤسسة الشعاب بالزاوية، لشهرتها بوصفها “رباطا”، خاصة مع كثرة الدراسات الحديثة حول الأربطة والمحارس، وحتى لا أسهب فقد تعرضت لهذه المسألة في بحثي سابق لي منشور بمجلة مجلة العلوم الشاملة في مارس من العام الماضي عنونته بــ”المدرسة الصوفية الشعابية: رؤية سيسيوتاريخية في مراحل تشكل التصوف الليبي” ( متوفر رابط تحميله على صفحتي هنا). وملخص المسألة، أن تسميتها بــ”رباط الشعاب” يعود لوظيفة طغت على أدوار الزاوية حينها، وهي الوظيفة الدفاعية التي استدعتها ظروف وقتها، لملء الفراغ الأمني الذي نتج عن ضعف السلطة في الكثير من الأوقات، فأدت الزوايا وظيفة الدفاع، من منطلق مفهوم الرباط في فريضة الجهاد، لمراقبة السواحل ورصد حركة الغزاة، وكذلك لتأمين التجارة البحرية، وأشرت في بحثي إلى وعي أصحاب الزوايا وقتها في تحديد مواقع زواياهم قريبا من الموانئ، كما في زاوية الشعاب وميناء طرابلس، وهو حس استراتيجي لم يقتصر على الدور الدفاعي في الزوايا التي انتشرت على السواحل، بل أيضا في عمق الصحراء باختيار المتصوفة الواعي لموقع زواياهم في مفاصل طرقات التجارة الصحراوية ما وفر لقوافل التجارة مواقع آمنة تحط عندها الرحال. بالإضافة لأهداف أخرى لدى مؤسسي الزوايا تتصل بمبدأ التنمية المكانية، إذ تحولت الزوايا بمرور الوقت الى بؤر سكانية نمت تدريجيا لتصير مناطق ومدن وحواضر في الدواخل وفي عمق الصحراء، وأشهرها زاوية محمد الجروي الزنتاني في طبقة، والزاوية السنوسية في الجغبوب، اللتين لم تكونا الا فضاء قاحلا قبل اختيارها مواقع لزواياهم، والأمثلة تخرج عن الحصر حتى أحصى شيخنا القطعاني أزيد من 90 منطقة ليبية نسبت إلى مؤسسيها من صوفية ليبيا. والخلاصة أن الزوايا وأن تعدد مسمياتها فهي نفسها هي هي، حتى في مسمياها في الفضاءات الأعجمية: خانقاه وتكية، وغيرها.
وبالعودة لأصل الموضوع، فإنه وإن غابت عنا الصورة الواضحة لإقامة “الحضرة” و”السماع” في تلك المراحل المبكرة في التاريخ الليبي، فإن طبيعة الزوايا القائمة على الاجتماع تؤشر على أن نشاط “السماع” كان جزءا أصيلا فيها، لكن بين يدينا وثائق تاريخية، من بينها ما دونه الصوفي الشيخ محمد الخروبي في مشيخته، ناقلا لنا صورا عن تطور ملحوظ في “الحضرة” والعناية الخاصة بها من قبل أساتذة التصوف الليبي، خاصة في سياق إصلاحها وتقويمها.
وبروز عملية الإصلاح والتقويم للحضرة في تلك الآونة يعني بالضرورة وجودها، لكن المهم هنا أننا نرصد في هذا السياق شخصيتان أساسيتان: الأولى الشيخ محمد الحطاب، الذي كان يعقد مجالس السماع في مدرسته التاجورية، في صورة تقارب – بالمفاهيم المعاصرة – المنتديات الثقافية، حيث تُنشد عيون الشعر العربي، كقصائد ابن الفارض، ويتولى هو شرحها وتحليلها في حضور علماء وأدباء. ويحدثنا الخروبي، كشاهد عيان، أن هذه المجالس كانت مقسمة إلى مستويات: للعامة، وللخاصة، ولخاصة الخاصة، في تعبير واضح عن نظام متدرج لإنتاج وتوزيع المعرفة داخل المجتمع؛ فمجالس العامة تقوم على التبسيط والتعميم الثقافي، ومجالس الخاصة على التفكيك والتحليل، أما مجالس خاصة الخاصة فتمثل فضاء الاشتغال العميق على المعنى، وربما إعادة بنائه، كما يظهر في إنتاج الخروبي نفسه، كقصيدته “التائية السنية في بناء القوالب البشرية وتقديس الأرواح الإنسانية”، وشروحه ومحاكاته للحِكم.
أما الشخصية الثانية فمعاصر الشيخ الحطاب، الأستاذ أحمد زروق، الذي يظهر في منتجه الفكري وجهده العملي صوت نقدي واضح سعى إلى تقويم الممارسة الصوفية وتنقيتها، فلم يتردد في توجيه نقد صارم لبعض أشكال “السماع” التي رأى أنها خرجت عن أصولها. ولولا أنها قضية شكلت مفصلا هاما في أنشطة الثقافة والفكر وقتها لما تصدى لتقويمها وإصلاحها الأستاذين الحطاب وزروق.
ورغم أهمية هذا التمهيد، الذي يكشف عن وجود “الحضرة” وتنوع أشكالها كظاهرة فكرية ثقافية، فإنه لا يكفي للقول بأنها كانت قد تحولت حتى هذه المرحلة إلى مشروع ثقافي مكتمل المعالم، وبتقديري فإن هذا التحول لم يكتمل إلا في مرحلة لاحقة، تحديدا على يد الإمام الأسمر، الذي تتلمذ للأستاذين، الحطاب وزروق بشكل مباشر، إذ انتقلت “الحضرة” على يديه من تعدد في الأشكال إلى نسق أكثر تماسكا، ضمن مشروع إصلاحي ذي أفق فكري جامع.
ومن هنا تحديدا تبرز أهمية هذه المرحلة، إذ ستصبح “الحضرة” جزءا من مشروع واع يحمل هموم عصره، ويتجاوز حدود “التعبد” في معناه الضيق المتداول إلى بناء رؤية فكرية متكاملة.
التعليقات