‎بين منطق الأزمة ومنطق التدبير: قراءة في سؤال المسؤولية السياسية

20 مارس 2026

‎أحمد المهداوي/كاتب صحافي
‎في مقاله المعنون «مسؤولية الحكومة ورئيسها بين تدبير الأزمة وتكريس الريع؛ من يحاسب من؟»، يضع الدكتور كمال الهشومي، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية-أكدال الرباط، القارئ أمام إشكال مركزي لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بطبيعة الاختيارات السياسية التي تحكم تدبير الأزمات في المغرب، فالنص لا يناقش الغلاء بوصفه نتيجة آلية لحرب إقليمية أو توتر جيوسياسي، بل باعتباره لحظة كاشفة لمن يخضع لمن: الدولة أم السوق، والمواطن أم منطق الريع.

‎ينطلق الكاتب من سياق دولي مضطرب، حيث الحرب في الشرق الأوسط وتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط تهدد الاقتصاد العالمي، غير أن هذا المعطى، في نظره، لا يبرر وحده ما يجري داخليًا، لأن الامتحان الحقيقي للحكومات لا يكون في وجود الأزمات وإنما في كيفية تدبيرها وتوزيع كلفتها، وهنا يتحول السؤال من «لماذا الغلاء؟» إلى «لصالح من يُدار الغلاء؟».

‎تنتقد القراءة اعتماد الحكومة على وصفة جاهزة، تتجسد في دعم مهنيي النقل، باعتبارها استجابة تقنية تخفي عجزًا سياسيًا فهذا الدعم، كما يوضح الهشومي، جُرِّب مرارًا دون أثر ملموس على الأسعار ما يجعله أقرب إلى آلية لامتصاص الغضب الاجتماعي منه إلى أداة فعلية لحماية القدرة الشرائية، بل ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حين يلمح إلى أن هذا الخيار يكرس وساطة غير منتجة، حيث يُضخ المال العام دون مساءلة حقيقية لمسارات الربح.

‎وتبلغ المفارقة ذروتها عندما تعترف الحكومة بوجود مخزون استراتيجي من المواد الطاقية اقتني بأسعار أقل، ومع ذلك تُمرَّر زيادات جديدة، هنا يطرح الهشومي سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا معًا: كيف يُسعَّر المستقبل على حساب الحاضر؟ ومن يستفيد من الفارق بين كلفة الشراء وسعر البيع؟ في هذا السياق، لا يعود السوق آلية محايدة ولكن فضاءً للمضاربة في غياب تدخل تنظيمي حاسم من الدولة.

‎ويستحضر الكاتب دور مجلس المنافسة، الذي سبق أن أقر بوجود هوامش ربح مفرطة وفرض غرامات مالية، لكنها لم تُحدث تحولًا في سلوك الفاعلين الكبار وهو ما يجعل هذه العقوبات، بحسب القراءة، مجرد تكلفة إضافية تُستوعب داخل نموذج الربح، بدل أن تكون أداة ردع حقيقية، وهنا تتجلى أزمة أعمق: دولة تستدعي ميزانيتها لدعم الطلب، لكنها تتردد في استعمال سلطتها لتنظيم العرض.

‎يقترح أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بدائل واضحة من قبيل تسقيف الأسعار بربطها بالكلفة الحقيقية للاستيراد، وتوجيه الدعم مباشرة إلى المواطن بدل الوسطاء، غير أن غياب هذه الخيارات يفتح الباب أمام استنتاج مقلق: إما عجز في الابتكار السياسي أو إرادة واعية لإعادة توزيع كلفة الأزمات بشكل غير عادل، بحيث تتحملها الأغلبية بينما تبقى هوامش الربح محمية.

‎في المحصلة، يقدم مقال الدكتور كمال الهشومي قراءة نقدية تتجاوز الظرفي إلى البنيوي، وتعيد طرح سؤال جوهري في كل أزمة: من يحاسب من؟ وهل الحكومة أداة لحماية المجتمع أم وسيط لضمان استقرار سوق يخدم أقلية؟ إنها قراءة تضع المسؤولية السياسية في قلب النقاش، وتذكّر بأن الأزمات لا تكون خطيرة بحد ذاتها بقدر ما يكون خطيرًا هو منطق تدبيرها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...