الفكر السياسي للشيخ الكامل محمد بن عيسى: إصلاح دون صدام

19 مارس 2026

د. أسامة علي بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية. طرابلس

بخلاف ما يُعتقد من أن التصوف ورجاله كانوا بمعزل عن الحياة السياسية وعدم المشاركة فيها، فالمدارس الصوفية لها رؤيتها الخاصة في التعاطي مع قضايا السياسة وشؤونها وأنظمة السلطة، ولها نظريتها الخاصة التي تقوم على فكرة الإصلاح من أسفل لا من رأس الهرم، فلم يسجل التاريخ إلا لماما تولي السادة الصوفية رأس السلطة وفي شخصيات معدودة، لكنهم يبنون نماذج الإصلاح خطابا وعملا من القاعدة التي تضم مختلف الابعاد والمستويات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وبالطبع منها السياسية، دون إحداث صدام مباشر من السلطة.

وفي تاريخ الشيخ الكامل أيضا نجد أنه لم يكن بمنأى عن الشأن السياسي، وكل ما حدث أن الدراسات والدارسين يتناولون الحياة السياسية من ناحية ممارسة الأنماط السياسية المعتادة، فظنوا أنه كان منقطعا عن قضايا المجتمع والدولة. صحيح أن السيرة العيساوية لا تسعفنا بالكثير من الوقائع التي تشير إلى تماس مباشر بينه وبين السلطة الحاكمة، لكن بعضها كاف لاستجلاء فكره السياسي، الذي لا يختلف عن طريقة تعاطي اخوانه الصوفيين للسياسة وقضاياها.

ومن تلك الوقائع حادثة لافتة مع الوالي الوطاسي على مكناس الوزير، الوزير محمد بن أحمد، عندما أثار الإقبال الكبير داخل المغرب وخارجها على الشيخ الكامل وزاويته، مخاوفه على استقرار الحكم، خاصة بعد أن غذت بعض الوشايات هذه الهواجس، فطلب من الشيخ الكامل مغادرة مكناس رفقة مريديه. ولم يكن رد الشيخ الكامل صداميا، بل جاء معبرا عن وعي سياسي متزن، حين قال “طاعة ولي الأمر واجبة، وأرض الله واسعة” وغادر مكناس صحبة مريديه ليقيم لمدة خارجها، حتى تدخلت وساطات من قبل علماء فاس، أبرزهم سعيد المشترائي، الذي كان ذا حظوة عند السلطان الوطاسي وقتها، فاشترط الشيخ الكامل لعودته إعفاء أصجابه من المكوس والكلف المخزنية (ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، الشيخ أحمد القطعاني، ص 26، 27).

وهي واقعة يحسن بنا التوقف عندها كمثال لقراءة الفكر السياسي للشيخ الكامل، وأول ما يلاحظ فيها التزام الشيخ الكامل بالرأي الفقهي الراسخ في وجوب طاعة ولي الله، وإن كان هذا الرأي كان سائدا عند السادة المالكية، أصحاب المذهب في المغرب، فهو رأي سحنون وابن أبي زيد والمازري وجملة رجال المذهب، ومغادرته للبلاد يأتي ضمن امتثال أمره بمغادرة بلدٍ ما، إذا كان لمصلحة معتبرة ولم يتضمن معصية صريحة، ما يعني بشكل واضح أن الشيخ الكامل على دراية واسعة بفقه السياسة الشرعية. ثم إن قوله: “وأرض الله واسعة” يدل على أن خروجه كان من أراضي سلطة الوطاسيين، لكن ذلك لم يعنِ أنه أوقف نشاطه الدعوي، بل استمر في هذا الدور حتى استدعى انتباه السلطة مرة أخرى، فما خافته داخل مكناس حدث خارجها بالقطع، وإلا كيف يفهم أن يطلب منه الخروج ثم يطلب منه الرجوع فيشترط لرجوعه شروطا.

الجانب الآخر يتعلق بطبيعة الشروط التي فرضها الشيخ الكامل لرجوعه، وهي إعفاء أصحابه من المكوس ومن الكلف المخزنية، والأول، وهي المكوس، تعني الضرائب، والثاني، وهي الكلف المخزنية، تعني ما يفرض على الناس لتقديم الخدمات للجند، وهنا لابد من وقفة لاستجلاء فكر الشيخ الكامل السياسي من عدة جوانب:

أولا/ انتصار الشيخ الكامل لمبدأ العدالة من خلال نقده ورفضه للجباية غير العادلة، فشرط الاعفاء لا يبدو مطلبا فئويا، بل هو مطلب في سياق مشروعه الإصلاحي، بما يتجاوز البعد الاجتماعي المباشر إلى تصور متكامل للعلاقة بين السلطة والمجتمع، إذ إن المكوس عند الفقهاء، بما فيهم السادة المالكية، غالبا ما ارتبطت بالضرائب التي تُفرض خارج الإطار الشرعي للزكاة والخراج، وكثيرا ما نظر إليها الفقهاء بعين التحفظ أو الرفض. وبمعنى أوضح فشرط الشيخ الكامل انتصار لمبدأ العدالة الاجتماعية، من خلال انضباط الواجبات المالية على الرعبة بضوابط الشرع ومراعاة قدرة الناس، لا من خلال مطلق قرارات السلطة

ثانيا/موقف الشيخ الكامل يحمل بعدا إصلاحيا يتمثل في حماية القاعدة الاجتماعية من الفقر والتبعية، إذ إن الكلف المخزنية المفروضة لخدمة الجند، كانت تمثل شكلا من أشكال تسخير المجتمع لخدمة السلطة، ورفض الشيخ الكامل يمثل عمقا واعيا في فكره السياسي، فبدلا من الخروج عن الطاعة والتمرد، أملى شروطا تعيد صياغة وظيفة المجتمع، وتغيير فكرة أن المجتمع يمثل خزانا بشريا وماليا للدولة، إلى فكرة أنه مجال للرعاية والأمانة التي يجب أن يُصان من الاستنزاف، وضرورة رفع المظالم المالية عليه.

ثالثا/ قبول وساطة الشيخ المشترائي وتحميله رسالة الشروط، يعكس ما يمكنني وصفه بــ”التفاوض الأخلاقي” في الفكر السياسي لدى الشيخ الكامل، فبدلا من الصدام والرفض سعى إلى انتزاع اعتراف ضمني بحقوق المجتمع وتوضيح حدود الدولة وطبيعة علاقتها مع المجتمع، بالمحافظة على السلم المجتمعي دون أي صدام من خلال استخدام ما يوصف اليوم في أدبيات السياسة بــ”أدوات الضغط الناعمة” لتحسين شروط عيش الجماعة، دون الانخراط في صراع سياسي مباشر مع الدولة.

وعليه، فالقاريء لموقف الشيخ الكامل بأنه سعى للحصول على امتياز فهو مخطئ، بل كان هدفه إصلاحي لتحقيق شرط قيام مجتمع متوازن يتوفر على قدر من العدالة والكرامة. ويعلق الشيخ المؤرخ أحمد القطعاني على موقف الوالي الوطاسي، بقوله: “وخيرا فعل الوالي بموافقته على تلك الشروط الإنسانية وإرجاعه، فمكناس إنما نمت وازدهرت من قرية صغيرة ذات حواري متفرقة تقطنها عائلات تتكون من : تاورا ، وعطوش، وبرنوس، وشلوش، وزياد، ومروان، وغفجوم وبنو موسى، وقصر تزركين، والسوق القديم، ورزيغة، وقرية الأندلس .. إلى حاضرة متميزة مزارة مقصودة مشهورة في الآفاق والبلدان واسعة العمار والأرزاق والبنيان ليس بسبب السلطان الوطاسي ، وإنما باسم الشيخ الكامل الذي جلب إليها العالم كله ، وبطريقته ومريديه ونشاط زاويته” (ينتظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 27).

بالمجمل، لم يكن الموقف السياسي للشيخ الكامل يعبر عن الصدام، وكذلك لا يعبر عن الخضوع المطلق، بل يعبر عن السعي الى اصلاح بأدوات من الداخل ومن واقع المجتمع، وهو ما يتضح في العديد من أدواره الأخرى التي حفلت بها سيرته، ومنها على سبيل المثال تأسيسه لــ”جماعة أقطار الليل”، كأحد أهم المؤسسات في زاويته بمكناس.

وتشير طبيعة عمل “جماعة أقطار الليل”، إلى نوع من اليقظة الميدانية، ومتابعة أحوال البلاد، والسهر على إشاعة الأمن، في بعد بالغ الدلالة على ما يمكنني تسميته بــ بـ”التدبير المجتمعي للأمن” كرافد لمؤسسات الدولة، فرغم ما يعكسه وعي الشيخ الكامل بتأسيسه لهذه الجماعة من متابعته ودرايته بمؤسسات الدولة وإدراكه الى ما اتسمت به من ضعف، ومتابعته للاضطرابات الداخلية والتهديدات الخارجية، ما أدى إلى فراغ أمني واضح، إلا أن المهم هو أن هذه الجماعة عندما أسسها لم يجعلها منفصلة عن أطر الدولة، بل إن أعمالها الميدانية لابد وأنها كانت ترصد من خلال خروقات لتقوم بإبلاغ الدولة وسلطتها عنها للعمل على رأبها، وإلا فما معنى ان يؤسس جماعة ميدانية دون أن يكون بيدها السلاح لتردع أي خطر، إن لم يكن لها صلة بمؤسسات الدولة الأمنية لابلاغها بأي خطر. وعلاوة على ذلك فإن بناء الشيخ الكامل لهذه الجماعة آلية موازية تحفظ النظام العام، استند فيه إلى الشرعية الأخلاقية والدينية، فقيام أفراد الجماعة بــ”دوريات ليلية”، مقرونة بالذكر والإنشاد، لم يكن نشاط تعبدي فقط، بل شكل حضورا رمزيا كثيفا في المجال العام أعاد احتلال الفضاء الحضري لصالح السلم بدل الجريمة. (حول جماعة أقمار الليل، ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 32).

من وعي الشيخ الكامل السياسي، كما تكشف عنه أعمال هذه الجماعة، أنه كسر فكرة أن الأمن حكرا على الدولة، بل نقله على مشاركة جماعية من خلال مبدأ التعبئة الاجتماعية المنظمة، وبشكل أوضح ففكرة جماعة أقمار الليل تشبه الى حد كبير فكرة “الشرطة الأهلية” الحديثة، لكن بمفهوم أوسع وبمعنى أعمق عندما نظم لها الشيخ الكامل وقفا خاصا وحولها الى من فكرة “المبادرة المؤقتة” الى “مؤسسة أهلية دائمة” نجحت في إرساء هذا المعنى حيث استنسختها مدن مغربية أخرى، بل تشير المصادر الى أن هذه الفكرة استمرت حتى عهد قريب، فآخر رصد لها كان سنة 1975م.

للفكر السياسي للشيخ الكامل جذور ومصادر، حيث تروي كتب السير أن شيخه الأعلى الإمام الجزولي رفض استغلال أتباعه في تمرد سياسي، وفضل أن يكون مسار الإصلاح هادئا، وهو ما رسخه الشيخ الكامل في مدرسته كنهج أساسي، لنرصده في سير العديد من رجال هذه المدرسة، كما في سيرة الشيخ أبي الرواين المحجوب، أبرز خلفائه، الذي كان ذا حضور سياسي فاعل في السلطة وقام بالعديد من أدوار الوساطة. وكذلك في سيرة حفيد الشيخ الكامل، الذي يحمل أيضا اسم محمد بن عيسى، الذي كرر موقف جده بالتمام عندما استدعاه السلطان وقرر استبعاده من مكناس وفاس، فأجاب بقوله “السمع والطاعة لولي الأمر” ليهاجر الى الجزائر، وفيها أيضا روت المصادر التاريخية علاقته الهادئة مع السلطة، وأسس زاويته في منطقة “وزرة” التي ساهمت بأدوار إصلاحية محورية في تاريخ الجزائر، إلى حد انخراط شخصيات سياسية بارزة في التاريخ الجزائري في الطريقة العيساوية، وقد احتفى بها مؤرخ الجزائر الكبير أبوالقاسم سعد الله (ينظر: اعلام الطريقة العيساوية: ص 102).

عديدة هي الصور التي تجلي فكر الشيخ الكامل السياسي منعكسا في أعمال الكثير من الشخصيات العيساوية، فبعضها برزت الى حد ممارسة أدوار دبلوماسية وسياسية مرموقة مثل الشيخ أحمد المهدي الغزال، صاحب كتاب “النور الشامل في مناقب فحل الرجال الكامل”، الذي أوفد في مهمة دبلوماسية إلى إسبانيا لتحسين العلاقات، في دلالة واضحة على الثقة في كفاءته ومكانته ( ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 147) ، وأكثر من ذلك فإن سلاطين دولة المغرب أنفسهم، كان من بينهم شخصيات بارزة في المدرسة العيساوية، مثل مولاي عبد الرحمن بن هاشم ( ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 175).

صحيح أنه ما يزال الكثير مما يجب أن يدرس في التاريخ العيساوي، من خلال حياة وأعمال رجال الطريقة العيساوية لاستجلاء الفكر السياسي للشيخ الكامل ورسوخه فيهم، فوصولها إلى أقطار أخرى يعني انتقال كامل النموذج العيساوي، مثل الشيخ محمد المسعودي، شيخ الطريقة العيساوية في ليبيا، والذي مارس أدوارا سياسية بالغة الأهمية (ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 181)، والشيخ عبد القادر خلوصي أفندي في تركيا، مستشار المشيخة العثمانية في الآستانة (ينظر: أعلام الطريقة العيساوية، ص 201)، لنكتشف أن المدرسة العيساوية لم تكن بعيدة عن المجال السياسي، بل أسست لنموذج مغاير في التعاطي مع السلطة، يقوم على الإصلاح وحفظ التوازن وبناء الأدوار المجتمعية، بدل الصدام المباشر، ولاشك وأنه نموذج يعيد طرح أسئلة عميقة حول أشكال الفعل السياسي في التاريخ الإسلامي، خارج الثنائية التقليدية بين الثورة والخضوع، ليفتح المجال لقراءة أكثر تركيبا لدور الزوايا في بناء المجتمع والدولة.

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...