المغرب ودروس الحرب..

18 مارس 2026

عمر العمري

ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟

نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر من احتمال.

وعلى بلدنا، حفظه الله، أن يضع دراسة هذه الحرب والاستعداد الكامل لتداعياتها في صدارة أولوياته الحكومية..

وفي نظري ينبغي عاجلا تدبير الأمور التالية على نحو استباقي:

أولا: يبرز في مقدمة الأولويات تدبير الاحتياطي من المحروقات والمواد الغذائية الأساسية، إذ لا يبدو أن حكومتنا راكمت، في ما يتعلق بالمحروقات، سياسة احتياطية راسخة جرى الاشتغال عليها منذ عقود، أما في مجال الأقوات، فقد أضعفته سنوات الجفاف والضغوط المتراكمة.

والسؤال اليوم: هل ما يزال بالإمكان تدارك هذا التأخر في الوقت المناسب؟

ثانيا: ستفضي الحرب في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليها من استهداف لدول الخليج، إلى موجات هجرة نحو المغرب، سواء في شكل انتقال للأفراد والكفاءات أو لتحرك الرساميل، بحكم ما يمثله البلد من فضاء للأمن والاستقرار، وهذا الاحتمال من شأنه أن يفرض ضغطا كبيرا على الأجهزة الأمنية، داخليا وخارجيا، على مختلف المستويات الرقابية والاستباقية.

ويواجه بلدنا تحديا كبيرا في تدبير ملف الهجرة أيضا من زاويته الاقتصادية، بما يقتضي وضع خطة متكاملة لحسن استيعاب هذه التحولات والاستفادة مما قد تحمله من إمكانات، كما قد تبرز، في هذا الباب، عودة اليهود إلى المغرب، ولا سيما من أصول مغربية، وهو ما يستوجب استعدادا مسبقا ومدروسا من مختلف النواحي.

ثالثا: قدمت إيران، بصرف النظر عن الموقف منها، درسا لافتا في بناء قدراتها الذاتية، إذ استطاعت، تحت وطأة حصار ممتد لعقود، أن تطور صناعتها المحلية وتعزز اعتمادها على إمكاناتها الداخلية، وفي المقابل، كشفت الحرب أن الارتهان الخارجي (دول الخليج) في مجالات التسلح والشراكة الاقتصادية لا يضمن بالضرورة الحماية عند اشتداد الأزمات.

ومن ثم، يصبح من الضروري أن يعيد المغرب التفكير بعمق في أولوية الاعتماد على الذات، وفي الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنية لتطوير الصناعة الذاتية، وتعزيز الأمن الغذائي، والارتقاء بمنظومة التعليم.

رابعا: الإسراع في تطوير الصناعة الحربية المحلية، ومرة أخرى تقدم إيران في هذا المجال درسا واضحا، إذ ليس مقبولا أن نخوض معاركنا بأسلحة غيرنا، لأن في ذلك بذرة الهزيمة منذ البداية.

إن أول عقبة في الحرب هي مسألة توفير قطع الغيار، قد نشتري طائرة حربية بالملايين وقد لا نستعملها اذا احتجنا إلى قطعة غيار بالملاليم، والاعتماد على الغير في هذا هو الفشل بعينه.

خامسا: تظل مسألة تعليم وتكوين الكوادر المحلية، والثقة في عقول أبناء البلد، من صميم عناصر القوة، فقد استثمرت إيران في إعداد أعداد كبيرة (بالملايين) من المهندسين والأطر في مختلف المجالات، بما فيها مجالات القيادة والتدبير، وهو ما مكنها من تعويض أي فراغ بسرعة وكفاءة، ومرد ذلك، في جانب كبير منه، إلى سياسة تعليمية صلبة ومتماسكة.

للأسف، بلدنا أنهكته هجرة عقوله إلى الخارج، وهذا أمر في غاية الخطورة ينبغي تداركه بكل الوسائل..

سادسا: هناك أمر آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو أمر العقيدة، ومرة أخرى تقدم إيران، بصرف النظر عن موقفنا منها كمغاربة واختلافنا معها عقائديا، درسا بليغا في قوة العقيدة وأثرها في الصمود والثبات، فهي اليوم تخوض معركة البقاء مستندة إلى عقيدة فكرية وحربية وتاريخية منحتها قدرة واضحة على الاحتمال والاستمرار.

والمغرب لا تنقصه في هذا الباب المقومات ولا الرصيد التاريخي والحضاري، لكن من الضروري الاستثمار في بناء العقيدة (الدينية والحربية) وترسيخها، لأن التفريط فيها يفضي إلى الوهن وتبدد عناصر القوة.

إن حياة البذخ والراحة واللامبالاة لا تدوم، والأمم العاقلة هي التي تتهيأ لعوادي الزمن قبل أن تباغتها، لأن الاستعداد للحرب يبدأ في زمن السلم..

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) قرآن كريم

هل بقي متسع من الوقت لتدارك ما فات؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...