هل إيران نمر من ورق؟

17 مارس 2026

علي البلوي

ربطتني علاقة جيدة مع عدد من الباحثين الايرانيين ممن عملوا في مؤسسات سيادية فيما بعد كالخارجية والامم المتحدة، وكنت انتقد البعد الأيديولوجي وتاثيراته على الدينامية السياسية لدولة في مجتمع دولي مختلف ومتنوع في ظل تشابك المصالح والمنافع المتناقضة، وكانت الإجابة عندما يتعلق الامر بمصالح ايران فإننا نضع الدين والايديولوجيا جانبًا ونتصرف وفقا لمتطلبات أمننا القومي. ورغم القوة الظاهرة لم يخالجني شك بان ايران تعيش وهم القوة واسطرة الانتصارات.

وقبل عدة سنوات، عاتبني مسؤول عربي إثر قولي في إحدى القنوات الفضائية إن إيران “نمر من ورق”، وأنها تعيش على الدعاية الكاذبة وتعاني من انقسام بنيوي عميق. وشاءت الظروف أن ألتقي هذا المسؤول نفسه قبيل المفاوضات الأخيرة، ليعيد طرح سؤاله الذي لم يغب عن ذهنه: “هل مازلت تراها نمراً من ورق؟”.

إن جوابي ينطلق من قراءة استراتيجية ترى أن “النمر” ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو منظومة ردع وهيبة، وما نشهده اليوم من استهدافات طالت هرم القيادة الأمنية والسياسية، وصولاً إلى استهداف شخصيات بوزن علي لاريجاني رئيس مجلس الامن القومي، ليس إلا فصلاً ختامياً في سيناريو “رقصة الديك المذبوح” الذي صُمم بعناية لجر المنطقة نحو الهاوية الكبرى.

وهنا يبرز التفسير النفسي السياسي الذي يرى أن الأنظمة التي تبني شرعيتها على “صورة القوة المطلقة” تصاب بما يسمى “الهشاشة النرجسية” عند أول اختراق حقيقي؛ فحين ينكشف العمق الأمني، يتحول النظام من حالة الهجوم الواثق إلى الارتباك الدفاعي، مما يولد ضغطاً يدفع القيادة نحو قرارات انتحارية لإثبات الوجود، وهو بالضبط ما تراهن عليه القوى الدولية لجر الجميع إلى مستنقع الاستنزاف.

إن من أبجديات التخطيط الاستراتيجي أن تبحث الدول دائماً عما يعزز مكانتها وأهميتها الجيوسياسية، وأن تعمل بجهد دؤوب على صيانتها وفقاً لحجم وطبيعة المتغيرات، ويؤكد خبراء الاستراتيجية أن “المكانة” ليست حقاً مكتسباً بل هي عملية صيانة مستمرة، فالدولة التي تفشل في تحديث أدواتها الأمنية والفكرية تصبح “دولة وظيفية” تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحاجة إليها.

وإيران اليوم، بحجم اختراقها الاستخباراتي الذي سمح بمئات الغارات الدقيقة دون رد حقيقي، تبرهن على أنها فقدت “درع الردع” وتحولت من لاعب إقليمي إلى مجرد ذريعة لإشعال فتيل حرب شاملة.

إن مقتضيات المرحلة الراهنة تفرض على العقل الاستراتيجي العربي تجاوز القراءات التقليدية للمواجهة، والتركيز على بناء “مناعة جيوسياسية” تحول دون استثمار القوى الكبرى في الأزمات الإقليمية.

إن المطلوب اليوم هو صياغة عقيدة دفاعية وفكرية تمنع تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وذلك عبر تفعيل أدوات التكامل الأمني والمعلوماتي التي تضمن استقلالية القرار العربي بعيداً عن صراع الوظائف المتغيرة للقوى الإقليمية، فالحفاظ على المكانة لا يتحقق بالانجراف خلف ضجيج المعارك الجانبية، بل بتعظيم الأوراق السيادية التي تجعل من المركز العربي رقماً صعباً وغير قابل للتجاوز في معادلات النظام الدولي الجديد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...