مفهوم الرجعى في القرآن الكريم: نداء الروح وعودة الأزل

17 مارس 2026

د محمد غاني، كاتب، المغرب

تتجاوز الآية الكريمة “إِن إِلى ربك الرجعى” (سورة العلق: 8) في عمقها التفسير الظاهري للعودة الأخروية، لتكشف في الرؤية الصوفية عن أبعاد روحية متجددة، هي بمثابة خارطة طريق للمريد و السالك في دروب المعرفة الإلهية. إنها ليست مجرد إشارة إلى نهاية المطاف، بل هي نداء أزلي للروح، وحركة قلبية دائمة نحو مصدرها الأصلي في السماوات العلوية من عوالم المعنى التي تسمو عن عوالم المادة والمحسوسات.

في الفهم الصوفي، الرجعى ليست حدثا مستقبليا فحسب، بل هي رحلة مستمرة تبدأ من لحظة الوجود. حيث يرى المتصوفة أن الإنسان قد صدر من الله خلقا، وأن مساره الحقيقي هو العودة إليه معرفة ومحبة وفناء. هذه العودة ليست مادية، بل هي ارتقاء روحي وتسام بالنفس نحو الكمال الإلهي. وكما يقول بعض العارفين، فإن “الطريق إلى الله هو الرجوع إلى الأصل”، في إشارة إلى أن كل كائن يحمل في جوهره بذرة العودة إلى منبعه الأقدس و هو الفطرة التي خلق عليها في الجنة.

تتخذ الرجعى في بعض التأويلات الصوفية معنى العودة إلى الفطرة الأولى، إلى ذلك الصفاء الروحي الذي فطر عليه الإنسان قبل أن تشوبه شوائب الدنيا وغفلتها. إنها دعوة للتحرر من قيود المادة والانشغال بالزائل، والرجوع إلى حضور القلب مع الله، إلى الذكر الدائم الذي يطهر الروح ويعيدها إلى نقائها الأصيل. هذه العودة في الحقيقة هي يقظة للوعي، وتصحيح للمسار، واستعادة للتوازن الروحي الذي فقده الإنسان في زحمة الحياة.

في أعمق تجلياتها، تمثل الرجعى في التجربة الصوفية مفهوم الفناء والبقاء. فناء العبد عن ذاته الفانية، عن أنانيته ورغباته الدنيوية، ليتحقق فيه البقاء بالله. هذا الفناء ليس عدما، بل هو ذوبان في وحدة الشهود القلبي لحقيقة لا اله الا الله شهادة قلبية، وتحقق بالوجود الحق. وقد عبر كبار المتصوفة، كأبي حامد الغزالي ومحيي الدين بن عربي، عن هذا المعنى الرفيع عندما تحدثوا عن رجوع الكثرة إلى الوحدة، حيث تتلاشى الفروقات الظاهرية لتتجلّى الحقيقة الواحدة الجامعة. إنها يقظة دائمة في كل لحظة.

من هذا المنظور، تتحول الآية الكريمة إلى تذكير دائم للسالك بأن كل لحظة في الحياة هي خطوة في طريق الرجوع إلى الله. إنها دعوة لليقظة المستمرة، والتأمل العميق في كل فعل وقول، ليكون كل جزء من الوجود موجها نحو الغاية الأسمى. فالنهاية الحقيقية ليست مجرد الموت، بل هي الوصول إلى معرفة الله، والتحقق بحضرته، والعيش في معيته في كل آن. “إِن إِلى ربك الرجعى” ليست مجرد آية، بل هي نبض حياة، ودليل روح، وسبيل إلى الكمال الإنساني في رحاب الألوهية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...