في رحيل يورغن هابرماس: بعض مما له وما عليه
علي مزيان
يرحل عنا اليوم يورغن هابرماس أحد أهم ورثة مشروع التنوير الذي اعتبره مشروعا لم يكتمل بعد، من هنا رفض هابرماس مشاريع رجعية كعودة الديني التي جاء بها ليو شتراوس الذي اعتبر أن سيطرة العقل قد تفضي إلى يوتوبيات تخريبية وأن القانون الوضعي لم يعط نتائج أفضل من شرع الله، ومع شتراوس تأسست نظرية عودة الديني التي نعرف مآلاتها اليوم من خلال مشاريع كإيهود باراك والخميني والإخوان المسلمين والقاعدة وترامب واليمين الأوروبي.
كما يُحسب لهابرماس الوقوف ضد ثورة الجينوم وحرب الخليج وأحداث 11 شتنبر وقراءة الأصولية كشأن إسلامي خاص بعيدا عن كونها ظاهرة حداثية، وتقدير الأعمال الارهابية تقديرا موضوعيا سليما لا تبتعد عن الحرب العالمية وقصف اليابان بالقنابل الذرية وباقي فظائع الحضارة الحديثة التي دعى لتقويمها. وصفه ريشارد رورتي مرة بالفيلسوف الفضولي الذي يغذي أفكاره بنبضات ثورية، كما وصفه دارندوف بالرجل الذي لا يتوب عن الانتقاد.
لكن هابرماس كان مدافعا عن الهمجية الإسرائيلية هو الآخر، وهنا استعملت الرجعية هذا الموقف كمطية لرفض أفكاره كما استعملت سابقا الاستعمار كمطية أخرى لرفض الفلسفة التقدمية والأفكار التنويرية، لذلك من البديهي أن تصادف أحيانا كتابات تعيد اكتشاف النصوص العنصرية عند كبار المفكرين الأوروبيين، وغايتها الفصل بيننا وبين تلك الكتابات باعتبارها بنت أفكار العنصرية الأوروبية وعادة ما يسمونها بالأورومركزية، وغالبا ما يكتشفونها عند ماركس أو كانت أو هيغل وغيرهم كحالة هابرماس اليوم. يمكن اعتبار هذا تدليسا، تحصينا للتخلف. لقد واجه قبلهم هذا منظرو ما بعد الإستعمار، أمثال فرونتس فانون وإدوارد سعيد وهومي بابا وغياتاري سبيفاك ونغوغي واثيونغو.
هنا يبرز الفرق الشاسع بين الشعبوي وبين الباحث الأكاديمي والرصين. خذ إدوارد سعيد على سبيل المثال، ضمَّ سعيد كارل ماركس للتعميمات الاستشراثية انطلاقا من أحد مقولات ماركس، لكن سعيد ظل ماركسيا مطالبا بعودة الماركسية، وقد استعمل ماركس وريموند وليامز وغرامشي، وذلك من خلال ما سماه في كتابه الثقافة والإمبريالية بـ”إعادة النقش” وهو مصطلح يستعمله سعيد وهومي باباه وغياتاري سبيفاك يعني إعادة كتابة الأعمال الأصلية من خلال وجهة نظر أبناء المستعمرات لتكون نسخة محلية عن القصة الأصلية التي كتبت عن الشعوب المستعمرة، وهذا ما نجده كذلك عند الجابري من خلال ما يسميه بتبيئة المفاهيم التي تحقق من خلالها الاستقلال التاريخي للذات.
من بين الأمثلة الأخرى عن تبيئة المفاهيم كما عند الجابري أو إعادة النقش كما عند إدوارد سعيد نجد أن الحركات الثورية قد كانت على الدوام جدلية في قراءتها للفلسفة.
خذ إيميه سيزر على سبيل المثال، قرأ هذا الأخير كتاب ظاهراتيات الروح وهو كتاب مرجعي ومهم لهيغل، وهيغل معروف بعنصريته وفصله لأفريقيا عن تاريخ الأفكار، بعد انتهاء سيزر من الكتاب المذكور لم يلتفت لبعض متونه العنصرية، بل عرضه بحماس على صديقه ليوبولد سنغور الزعيم السينغالي الكبير قائلا “استمع إلى ما يقوله هيغل يا ليوبولد: للوصول إلى الكوني، يجب الانغماس في الخصوصي!”.
ففي فلسفة هيغل التجريدية، وجد سيزير شريكا فلسفيا في مشروع “الزنوجة”، وهي حركة مناصرة للفكر والجماليات السوداء التي ساهم سنغور وسيزير في تأسيسها في باريس في ثلاثينيات القرن العشرين. لقد أكدت فلسفة هيجل نفس النقطة التي كانوا يثيرونها: وهي أن احتضانهم للسواد كان جزءا من حركة التقدم البشري العالمي، وليس استسلاما لهوية ضيقة، تجذر الإشارة إلى أن هيجل كان يدمج الثورة الهايتية في فلسفته من خلال جدلية السيد والعبد ومن خلال تلك الجدلية أكد زعماء ثوريون ومنظروا مابعد الإستعمار على حقهم الوجودي، تطول الأمثلة وتطول لكن الثابت أن الغرب كالرجعيات يهمه أن تكون ذا خصوصية ثقافية ترفض التغيير والاقتباس، أن تكون هامشا للمركز، بدل أن تكون بدولة حداثية، فورقة الدولة الحديثة عادة ما وقف ضدها الجميع.
كتب ألان غريش في كتابه المهم الإسلام والجمهورية والعالم أن الغرب الامبريالي لم يقف ضد التحرر الاقتصادي فقط، بل كان العقبة الكبرى التي تحول دون بلوغ الحداثة السياسية، أو انبثاق الرأسمالية (ماكس فيبر)، أو حيز مستقل للسياسي والمؤسسات (ب. بادي)، لأن هاجس الغرب من دزرائيلي إلى بايدن مرورا بكليمنصو وكيسنجر، لم يكن ذات يوم قد لعب ورقة التحديث السياسي في الشرق الأوسط، بل وقع حائلا بيننا وبينها، وشكلت الأنظمة السلطوية الأداة والوسيط. وللرجعية الدينية والقومية الدور نفسه.
مراجع:
ــ إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة.
ــ ملاك إبراهيم الجهني، خيول وأخيلة: دلالات نظرية مابعد الاستعمار ومرتكزاتها.
محمد عابد الجابري. التراث والحداثة.
التعليقات