بين المركز والهامش: ملايين الدراهم للمكاتب في الرباط وقرى منكوبة بلا أطباء
بو شعيب شكير ـ مدافع عن حقوق الإنسان وفاعل نقابي في الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، مهتم بقضايا العدالة الاجتماعية وبالسياسات العمومية المرتبطة بالحق في الصحة
في وقت أعلنت فيه الحكومة تصنيف أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة بعد الفيضانات الاستثنائية، يثير توجيه ملايين الدراهم لإعادة تهيئة مصالح داخل مؤسسات صحية مركزية في الرباط تساؤلات حول العدالة المجالية وترتيب الأولويات في توزيع الموارد الصحية.
كيف يمكن لقرى مغربية منكوبة أن تعيش بلا طبيب، في الوقت الذي تُصرف فيه ملايين الدراهم على إعادة تهيئة بعض المصالح داخل مؤسسات صحية كبرى توجد في العاصمة الرباط؟ وبين مركز تُهيَّأ فيه المكاتب وتُحسَّن فيه الفضاءات الإدارية، وهامش ما يزال يبحث عن طبيب وممرض ومركز صحي قادر على استقبال المرضى، تتكشف مفارقة قاسية تعيد إلى الواجهة سؤال ترتيب الأولويات في السياسات الصحية العمومية.
ففي العديد من القرى المغربية لا يبدو الوصول إلى الطبيب أمراً بديهياً أو يسيراً، إذ يبدأ العلاج بالنسبة لآلاف الأسر برحلة طويلة قد تمتد لعشرات الكيلومترات بحثاً عن استشارة طبية بسيطة أو دواء أساسي، وهو واقع يومي لا يعكس فقط صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية، بل يكشف أيضاً استمرار فجوة واضحة بين المدن الكبرى والمناطق القروية في الاستفادة الفعلية من الحق في العلاج.
وقد زادت الكوارث الطبيعية الأخيرة من حدة هذه الهشاشة في عدد من الأقاليم، حيث أعلنت الحكومة المغربية في فبراير 2026 عن تصنيف أربعة أقاليم كمناطق منكوبة نتيجة الاضطرابات الجوية والفيضانات الاستثنائية التي شهدتها البلاد، وهي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان. وقد خلفت هذه الفيضانات خسائر بشرية ومادية مهمة، كما أثرت بشكل مباشر على البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الخدمات الصحية التي تشكل بالنسبة لساكنة هذه المناطق إحدى أكثر القضايا إلحاحاً.
وفي مثل هذا السياق الوطني الحساس، يصبح النقاش حول السياسات الصحية أكثر تعقيداً وأهمية، إذ بينما تواجه مناطق كاملة صعوبات حقيقية في الولوج إلى أبسط الخدمات الأساسية، يطفو إلى السطح خبر تخصيص ملايين الدراهم لإعادة تهيئة بعض المصالح داخل مؤسسات صحية مركزية في الرباط، وهو قرار قد يبدو في ظاهره جزءاً من عمليات تحسين ظروف العمل داخل المؤسسات الصحية الكبرى، وهو أمر مشروع في حد ذاته، غير أن وضعه في سياقه الوطني والاجتماعي يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية ترتيب الأولويات في تدبير الموارد العمومية.
فالاحتياجات الصحية في العديد من القرى والدواوير لا تتعلق بإعادة تهيئة المكاتب أو تحسين الفضاءات الإدارية، بقدر ما ترتبط بوجود طبيب قريب، وممرض حاضر، ومركز صحي قادر على استقبال المرضى وتقديم الخدمات الأساسية.
فهناك مرضى يضطرون لقطع مسافات طويلة من أجل إجراء فحص طبي بسيط، كما تواجه بعض النساء مخاطر حقيقية أثناء الولادة بسبب بعد المستشفيات وضعف وسائل النقل، وهو ما يجعل الولوج إلى العلاج بالنسبة لعدد كبير من المواطنين تحدياً يومياً وليس مجرد خدمة عمومية متاحة بسهولة.
وقد أتيحت لي شخصياً فرصة الوقوف على جانب من هذه المعاناة خلال حضوري الندوة الصحفية التي نظمتها لجنة دعم منكوبي فيضانات إقليم تاونات يوم 12 مارس 2026 بنادي المحامين بالرباط، بصفتي ممثلاً للكونفدرالية العامة للشغل ضمن الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية الداعمة لقضية المنكوبين، حيث كشفت المداخلات التي قدمها أعضاء اللجنة عن صورة مقلقة للوضع الذي يعيشه الإقليم، وهي صورة تتقاطع فيها آثار الفيضانات الأخيرة مع هشاشة تنموية مزمنة، خاصة في القطاع الصحي.
وقد أظهرت المعطيات التي عرضها المتدخلون خلال هذه الندوة أن إقليم تاونات يسجل واحدة من أضعف نسب التأطير الطبي في البلاد، إذ لا يتجاوز المعدل 1.3 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، في حين أن بعض الجماعات القروية داخل الإقليم لا تتوفر أصلاً على طبيب قار. وهذا الرقم لا يعكس فقط نقصاً في الموارد البشرية الطبية، بل يكشف أيضاً حجم الفجوة التي لا تزال قائمة بين المناطق الحضرية والمجالات القروية في الاستفادة من الخدمات الصحية.
وهنا تبرز النقطة المفصلية في هذا النقاش، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بمشاريع التهيئة أو بطرق تدبير الميزانيات داخل المؤسسات الصحية، بقدر ما ترتبط بسؤال أعمق يتعلق بثقة المواطنين في المنظومة الصحية نفسها. فعندما تستمر بعض المناطق، خاصة في العالم القروي والمجالات التي أنهكتها الكوارث الطبيعية، في الشعور بنوع من التهميش أو بعدم الإنصاف في توزيع الخدمات الأساسية، يصبح من الضروري إعادة طرح مسألة العدالة المجالية في السياسات الصحية.
ومن المهم التأكيد هنا على أن الإشكال في حد ذاته لا يكمن في إعادة تهيئة مصالح داخل مؤسسات صحية بالرباط، فذلك أمر مطلوب لتحسين ظروف العمل وتجويد الخدمات داخل المؤسسات الصحية الكبرى، غير أن النقاش الحقيقي يبدأ عندما تُطرح مسألة ترتيب الأولويات في سياق بلد واحد يفترض أن يكون فيه المواطنون على قدم المساواة في الاستفادة من الخدمات الصحية.
فالمغرب، في جوهره، مغرب واحد لا ينبغي أن تتحدد فيه جودة الخدمات العمومية بحسب الجغرافيا، غير أن الواقع يكشف أحياناً عن مفارقة أعمق تتجاوز مجرد قرارات التهيئة أو التدبير الإداري، لتلامس طبيعة الرؤية التنموية ذاتها.
فحين تتكرس في السياسات العمومية ثنائية غير معلنة بين ما يُسمى أحياناً بـ“المغرب النافع” و“المغرب غير النافع”، يصبح سؤال العدالة المجالية سؤالاً شاملاً يتجاوز قطاع الصحة وحده. فكيف يمكن إقناع طبيب أو ممرض أو معلم بالاستقرار في مناطق تنعدم فيها أبسط شروط الحياة الكريمة، حيث لا مرافق اجتماعية ولا بنية تحتية قادرة على توفير الحد الأدنى من شروط العيش؟
ومن هنا يبرز الدور الجوهري للدولة في صياغة سياسات تنموية حقيقية قادرة على إلحاق هذه المناطق بمسار التنمية الوطنية، بما يضمن لأبنائها وبناتها الاستفادة العادلة من ثروة وطنهم، بعيداً عن منطق الواجهة الذي يُسوَّق أحياناً في الخطاب الإعلامي دون أن يغير جوهر الاختلالات المجالية القائمة.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وعلى رأسها السيد الوزير، تظل مسؤولية محورية في ضمان توجيه الموارد المالية وفق منطق يراعي الحاجيات الحقيقية للمواطنين في مختلف الجهات.
فاستعادة ثقة المواطنين في المنظومة الصحية لا تمر فقط عبر الإصلاحات المؤسساتية أو البرامج المعلنة، بل تتجسد أساساً في الإحساس الملموس بأن توزيع الإمكانات والموارد يتم بروح من العدالة والإنصاف بين المركز والهامش.
وفي هذا السياق تحديداً، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ماذا تعني مشاريع إعادة التهيئة التي تُخصص لها ملايين الدراهم داخل مؤسسات صحية مركزية في الرباط بالنسبة للمواطن الذي يعيش في قرية منكوبة لا يجد فيها طبيباً ولا مركزاً صحياً مجهزاً؟
فبين مركز تُصرف فيه الملايين لتحسين الفضاءات الإدارية، وهامش يكافح فيه المرضى من أجل الوصول إلى أبسط خدمة علاجية، تتجلى المفارقة التي لا يمكن لأي سياسة صحية ناجحة أن تتجاهلها، لأن العدالة الصحية لا تقاس فقط بما يُنفق في المدن الكبرى، بل أيضاً بما يصل فعلياً إلى القرى البعيدة التي ما تزال تنتظر نصيبها من الحق في العلاج.
فالمال العام لا يمكن اختزاله في مجرد أرقام داخل جداول الميزانيات، بل هو في جوهره تعبير عن خيارات سياسية واجتماعية تعكس رؤية الدولة والمجتمع لمفهوم العدالة المجالية.
وعندما تستمر الفجوة بين المركز والهامش في الظهور داخل قطاع حيوي مثل الصحة، فإن النقاش لا يعود تقنياً فحسب، بل يتحول إلى سؤال يتعلق بالإنصاف والعدالة في توزيع الخدمات الأساسية.
لقد قام المجتمع المغربي تاريخياً على منظومة قيم راسخة، في مقدمتها التضامن والتكافل وروح المسؤولية الجماعية، وهي قيم تبرز أهميتها بشكل أكبر في لحظات الأزمات، حيث تصبح الحاجة ملحة إلى استحضارها عند اتخاذ القرارات المرتبطة بتدبير الموارد العمومية.
وفي نهاية المطاف، فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بإعادة تهيئة المصالح داخل المؤسسات الصحية في حد ذاتها، لأن ذلك يبقى أمراً مشروعاً، بل يتعلق قبل كل شيء ببوصلة الأولويات في السياسات العمومية. إذ حين تعيش قرى منكوبة نقصاً في أبسط الخدمات الصحية، يصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال بصراحة وهدوء:
هل يمكن لمنظومة صحية أن تستعيد ثقة المواطنين إذا بقيت بعض المناطق تشعر بأن الحق في العلاج ما يزال رهين الجغرافيا؟
التعليقات