الجالية المغربية بالخارج: حبّ وعطاء للوطن

8 مارس 2026

د. صلاح المراكشي 

إمام وخطيب مؤطّر ديني بفرنسا

 

تُعدّ الجالية المغربية المقيمة بالخارج جزءًا أصيلًا من الشعب المغربي، وامتدادًا طبيعيًا للوطن خارج حدوده فمغاربة العالم لم ينفصلوا يومًا عن بلدهم، بل ظلّ ارتباطهم بالمغرب قويًا ومتجذرًا في القلوب والعقول، مهما بعدت المسافات وتباينت ظروف العيش.

وقد تمكن العديد من الأطر والكفاءات المغربية بالخارج من تحقيق نجاحات لافتة في مجالات علمية واقتصادية ومهنية متعددة، كما بادر عدد كبير منهم إلى الاستثمار في وطنهم، مسهمين في إطلاق مشاريع اقتصادية وخلق فرص شغل تدعم الاقتصاد الوطني وتواكب مسار التنمية.

وإلى جانب ذلك، تشكل تحويلات مغاربة العالم موردًا اقتصاديًا مهمًا للمغرب، إذ تسجل غالباً ارتفاعًا ملحوظًا وفق التقارير الرسمية، وهو ما يعكس بوضوح عمق ارتباط الجالية بوطنها وحرصها الدائم على دعم أسرها والمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

ولا يقتصر دور الجالية المغربية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا ثقافية ووطنية عميقة. فالوطنية تجري في عروق مغاربة الخارج، وهي مشاعر صادقة لا يمكن لأي أحد أن يزايد عليهم فيها، وحتى لو عبّر بعضهم أحيانًا عن استيائه من تصرفات بعض الإداريين أو الصعوبات التي يواجهها خلال بعض الإجراءات أو المراجعات الإدارية. فيمكن لمثل هذه التصرفات أن تؤثر مؤقتًا على مزاج أي مواطن، لكن لا تمس بثبات محبتهم لوطنهم ولا بعمق انتمائهم إليه، الذي يظل راسخًا ومستقرًا في وجدانهم. ومن خلال تجربتي الشخصية، كغيري من أبناء الوطن بالخارج، امتدت لسنوات طويلة سواء من خلال اقامتي بإحدى دول الخليج كالسعودية تحديدا لمدة 4 سنوات للدراسة الجامعية والمساهمة في تأطير الحجاج المغاربة خلال مناسك الحج والعمرة، أو من خلال إقامتي بإحدى الدول الأروبية وتحديدا فرنسا لأكثر من 18 سنة كمؤطر ومرشد ديني بالمساجد والمراكز الإسلامية وبالمستشفيات والسجون الفرنسية. كما أتاحت لي جولاتي العلمية بعدد من الدول الأوروبية، مثل: بلجيكا؛ وهولندا، وألمانيا، وإسبانيا وغيرها، فرصة الاحتكاك بعدد كبير من المغاربة في المساجد والمراكز الإسلامية بهذه البلدان، وهو ما يؤكد بالملموس مدى عمق ارتباطهم بوطنهم وتمسكهم بهويتهم وثقافتهم.

ولذلك، فمن غير المنصف أن يأتي أيّ مسؤول أو غيره فينصّب نفسه معيارًا للوطنية، فيثبتها لنفسه وينزعها عن غيره، أو يشكك في وطنية المغربي المقيم بالخارج ويقلّل من دوره وارتباطه بوطنه. فالوطنية شعور راسخ في القلوب لا يحتكره أحد ولا يملك حق توزيعه على الناس. كما أن الاستناد إلى حادثة معزولة أو تجربة إدارية غير موفقة للطعن في هذا الانتماء لا يعكس الحقيقة، لأن مثل هذه الحالات تبقى استثناءات عابرة لا يمكن أن تختزل العلاقة العميقة والمتينة التي تربط الجالية المغربية بوطنها. ومن المعروف أن مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس يقدّر جهود مغاربة الخارج شأنهم شأن إخوانهم بالمغرب، ويولي اهتمامًا خاصًا بالجالية المغربية المقيمة في الخارج، وهو اهتمام يتجلّى بوضوح في خطبه وتوجيهاته المستمرة كما في خطاب المسيرة 2024 وغيرها. كما تجسّد هذا الاهتمام منه حفظه الله عمليًا في تخصيص 10 غشت من كل سنة يومًا وطنيًا للمهاجر، يُحتفى به في مختلف عمالات وجهات المملكة، اعترافاً من جلالته بالدور الكبير الذي تضطلع به الجالية في خدمة الوطن.

إن المغرب ليس ملكًا لأحد يمنح حق دخوله لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء برغبته، بل هو وطن لجميع المغاربة داخل البلاد وخارجها. ومغاربة العالم سيظلون دائمًا مرتبطين ببلدهم، يعودون إليه متى شاءوا، ويساهمون في بنائه وتنميته بكل فخر واعتزاز. وسيظل شعارهم الخالد، أينما حلّوا وارتحلوا : الله، الوطن، الملك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...