مساجد المغرب تنبض بالنور الرمضاني بأمر من أمير المؤمنين

19 فبراير 2026

محمد خياري: باحث في الفكر الإسلامي

انفتحت أبواب 157 مسجداً جديداً في أحضان شهر رمضان الأبرك لعام 1447 هـ، بأمر كريم من أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله-. مكرمة سنوية تتجدد كالفجر، ضمن سلسلة من الأعمال الدينية والتضامنية والإنمائية التي يرعاها جلالته في هذا الشهر الكريم. ليس هذا حدثاً عابراً، بل حلقة في سلسلة طويلة تشهد على ارتفاع مطرد لعدد المساجد في ربوع المملكة، حيث تجاوزت الأربعة وخمسين ألفاً، ليصبح العدد شاهداً حياً على بُعد روحي عميق، يفوق الإحصاءات ليلامس جوهر التعبد.

في المغرب، يتجاوز المسجد كونه بناءً مادياً من حجارة وطين؛ إنه ذاكرة أمة تنبض بالحياة، وسجل أزلي يحتضن أنفاسها، وأدعيتها، وأحلامها الجماعية. يتولد كما تتولد القرى، يشبع عطش العمران لنبض إلهي يضمن له الدوام، ففيه نواة خفية توازن الوجود وتوجهه نحو السمو. ظل المغاربة يمنحونه مكانة تفوق الصلاة المنفردة؛ فهو فضاء تتعانق فيه الجماعة بروحها كالأنهار في محيط واسع، يلتقي فيه العمران بالتلاوة كنور يشق الحجر، ويندمج فيه العلم بالدعاء كالنبض في الصدر.

مع مرور الزمن، امتد هذا الحضور ليغطي رقعة البلاد بآلاف البيوت التي تهتز بذكر الله، مزينة كالنسيج المتشابك الذي يربط المدن بالقرى والبوادي بالجبال. كل مسجد جديد يُفتتح يفتح دائرة حياة متجددة: مساكن تطل عليه بعيون ترقب إشراقه، ومحلات تجاوره كأضلاع تحمي القلب، وأزقة تتفرع منه كغصون تلتف حول جذر غائر في الأرض ومتصاعد نحو السماء. هذه عادة إسلامية راسخة، تعيد صياغة تاريخ الحواضر القديمة حيث كان المسجد أول ما يُشيد في البقعة؛ محراباً للروح المتقية، ومنارة للعلم المتلألئ، ومجلساً للشورى الجماعية، وعلامة على قداسة المكان للسكن البشري.

على مدار أكثر من ربع قرن، يدشن جلالة الملك عشرات هذه المساجد بيده المباركة، وقد صلى في بعضها داخل المغرب وخارجه، يزودها بالبشر والحجر، مدعوماً بنسب شريف وبيعة روحية تجعلها نبعاً يفيض إيماناً ووحدة. كأن العمران يتوق إلى روحه فيجدها في ظل المؤذن وفي الأذان الذي يخترق الفضاء كنسيم يبدد الغيوم. هكذا جعل أمير المؤمنين المساجد مركز الثقل الروحي، يتجاوز دورها التعبدي لتصبح عموداً في التنمية الاجتماعية، ينسج خيوط التلاحم الجماعي كالحارس الذي يحمي النسيج من التمزق.

في حلقاته اليومية، تتعالى الأصوات بالتلاوة والحديث النبوي، فتذيب الفوارق الطبقية وتجمع الغني بالفقير في سجود واحد. هنا يولد التكافل الاجتماعي كالينبوع الطبيعي؛ ففي رمضان وغيره، تتوزع الزكاة والصدقات من محرابه، وتصل إلى الأسر المعوزة، تعيد لها كرامتها وتستعيد للمجتمع توازنه. كما تنبثق من جدرانه برامج الإرشاد الأسري والدعم النفسي، التي تحول النزاعات إلى مصالحات، والبؤس إلى أمل، كما في مبادرات جلالة الملك التي تربط المساجد بمراكز التنمية المجتمعية.

في القرى النائية، يصبح المسجد مركزاً للتثقيف الصحي والتوعية البيئية، ينقل فيه الإمام دروساً في النظافة والحفاظ على الماء؛ مستلهماً من القيم الإسلامية ما يبني شبكة اجتماعية مترابطة، تحمي الشيوخ من الوحدة، وتوجه الشباب نحو المسؤولية، فتصبح كل قرية مجتمعاً متماسكاً يقاوم الانهيار الحضري.

اقتصادياً، يتحول المسجد إلى محرك حيوي يدفع عجلة التنمية المحلية كالجذر الذي يغذي الشجرة. حوله تتكاثر الأسواق والحرف، فالأزقة المجاورة تمتلئ بمحلات تبيع السلع اليومية، وورش لتعليم الحرف التقليدية كالنسيج والنجارة. وفي برامج الإفتاء الاقتصادي، يُرشد الإمام إلى مبادئ الحلال والحرام في التجارة، ويشجع على الوقف الخيري الذي يمول مشاريع إنتاجية، كما في نموذج المساجد المغربية التي تدير صناديق وقفية تبني مدارس ومزارع صغيرة.

بتوجيهات أمير المؤمنين، ترتبط المساجد بمبادرات التشغيل، وتقدم دورات تدريبية في الزراعة العضوية والتسويق الرقمي، محولةً العاطلين عن العمل إلى منتجين، ومقللةً من الهجرة إلى المدن الكبرى. إنها بذور ازدهار مستدام، حيث يصبح الأذان دعوة للعمل الجاد، والمحراب مصدراً للاستثمار الأخلاقي الذي يربح الدنيا والآخرة.

إن أعظم إنجازات المسجد تكمن في صناعة الرجال والنساء، فهو مصنع روحي يصقل الشخصيات كالنار التي تصقل الذهب. في مجالسه، يتعلم الفتى الصبر من صلاة الوتر، والقيادة من الإمامة، والصدق من الحديث. حلقات العلم تبني عقولاً ناقدة، تُدَرِّس الفقه والسيرة، وتنتج قادة يجمعون بين الورع والكفاءة، كالصحابة الذين خرجوا من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فغيروا مجرى التاريخ.

في المغرب، وتحت رعاية جلالة الملك، تتوسع هذه الدورات لتشمل الرياضة والفنون، وتصنع شباباً أقوياء البدن والروح، مقاومين للفتن. فيصبح المسجد بذلك مدرسة حياة، يخرج رجالاً ونساء يحملون راية الأمة، يبنون ولا يهدمون، يعطون ولا يأخذون؛ قلباً نابضاً يحمل ذاكرة الأمة، وسجلاً غير مكتوب يودع فيه الأنين والتسابيح، وفضاء يتخطى المادة ليصبح مرآة للنفس الإنسانية، كفردوس يحول العمران إلى سجود جماعي.

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...