اتباع السلف بين الغلاة والجفاة والهُداة
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب بفرنسا
لا يخفى أن السلف الصالح هم صفوة هذه الأمة، ونقلة شريعتها، وحملة سنّتها، وأمناء وحيها. وإذا أُطلق هذا المصطلح في اصطلاح أهل العلم انصرف ابتداءً إلى أهل القرون الثلاثة المفضّلة: الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعيهم بإحسان؛ إذ شهد لهم النص النبوي بالخيرية في قوله صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» متفق عليه. غير أن لفظ: “السلف” في أصله اللغوي أوسع من هذا التحديد الاصطلاحي؛ فهو وصفٌ نسبيٌّ لكل من تقدّم فصار سلفًا لمن بعده. فكما كان أولئك سلفًا لنا، فنحن سلفٌ لمن يأتي بعدنا. ومن هنا لا يستقيم أن يُجعل هذا اللفظ – من حيث دلالته اللغوية – حكرًا على زمنٍ بعينه، ولا أن تحتكره فئةٌ فتتخذه لقبًا خاصًا تمنحه لنفسها وتمنعه عن غيرها. ومن هذا الباب تنشأ في النفوس شبهة التزكية والاستعلاء حين يتحول الانتساب إلى “السلف” من التزامٍ صادق بالمنهج إلى دعوى فضلٍ مطلق، أو إلى إيحاءٍ بأن المنتسب هو الممثّل الحصري للحق دون سواه. فيُرفع اللقب حينئذٍ شعارًا للمفاصلة، ويُستعمل أداةً لتخطئة المخالف أو الانتقاص منه، بدل أن يكون عنوانًا على الاتباع والاقتداء. وهذا مما يُخشى أن يدخل في معنى قوله تعالى: ( فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) سورة النجم الاية : 32. ومما يؤكد ذلك أن الصحابة والتابعين – مع ثبوت فضلهم بنص الوحي – لم يُعرف عنهم أنهم أشهروا هذا الوصف في وجوه إخوانهم، ولا أنهم اتخذوه عنوان مفاضلةٍ ذاتية، ولا أنهم أورثوه شعارًا يُتداول للتمايز، بل كانوا منصرفين إلى تحقيق معاني الاتباع علمًا وعملًا، دون تعلّق بالألقاب أو ادعاءٍ للامتياز. ومن ثمّ فالناس إلى يوم الدين يتنافسون في الاقتداء بمن سلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، والسير على نهجهم طلبًا للحق واتباعًا للأثر، لا مزايدةً ولا مصادرة. فلا يملك أحد أن يحتكر هذا الوصف لنفسه، ولا أن يسلبه عن غيره لمجرد مخالفةٍ في اجتهادٍ سائغ؛ إذ العبرة بتحقيق المنهج لا بادعاء الانتماء، وبصدق الاتباع لا بمجرد الشعار. وفرقٌ بيّن بين أن يشهد أهل العلم لبعضهم بالاستقامة على منهج السلف، وبين أن يشهد فرد أو جماعة لأنفسهم بذلك شهادة تزكيةٍ وإقرار. ثم إن اتباع السلف لا يعني تجميد الزمن، ولا تعطيل حركة الحياة، ولا رفض المستجدات، ولا الوقوف عند أنماط العيش القديمة، كما لا يعني مصادرة الاجتهاد في غير النصوص القطعية. وهو كذلك لا يقتضي تقديس الأشخاص، ولا القول بعصمة الأفراد، ولا التعصب لآحادهم، ولا رفع أقوالهم إلى رتبة النصوص المعصومة. بل إن حقيقة اتباعهم تقوم على أصولٍ منهجية واضحة، من أبرزها اختصارًا – ما يلي :
• الاقتداء بمنهجهم في الاستدلال.
• سلوك طريقتهم في فهم النصوص.
• الالتزام بقواعدهم في الترجيح والاستنباط.
• اعتماد أصولهم في الجمع بين الأدلة وردّ المتشابه إلى المحكم.
ولا يُحتج بأقوال السلف استقلالًا لذاتها، وإنما يُحتج بإجماعهم، ويُستأنس بفهمهم، ويُرجَّح بمدارسهم، ويُستضاء بمنهجهم، ويُحتكم إلى طريقتهم في فهم النصوص. أما عند اختلافهم، فلا عصمة لآحادهم، ولا يُلزم الناس بقول واحد منهم، إذ الحق يُطلب بدليله لا بمجرد قائله، كما هو معلوم عند علماء أهل الشأن. وبعد هذا البيان، يتبيّن أن مواقف الناس من السلف في هذا العصر قد تباينت، ويمكن إجمالها في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
أولًا: الغلاة :
وهم الذين يُكثرون الاحتجاج بأقوال السلف انتقاءً، ويلزمون بها غيرهم دون نظرٍ جامعٍ لكلامهم، أو مراعاةٍ لاختلافهم، أو فهمٍ لسياقاتهم، أو معرفةٍ بمداركهم. فيستدل أحدهم بالقول والقولين، أو بالفعل والفعلين، ويجعلها حاكمة على سائر النصوص والاجتهادات. ومع أنهم يقررون نظريًا: «لا حجة في قول أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ويرددون مقولة الإمام مالك – رحمه الله – : «كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر»، إلا أن التطبيق العملي قد يشهد نوعًا من تقديس الاختيارات، ورفع بعض الأقوال إلى منزلة تقارب النص. فينقلب المنهج إلى جمود، والاتباع إلى تضييق، والسلفية إلى قالبٍ مغلق، يُختزل في مسائل جزئية أو اختيارات فردية، بدل أن تكون منهجًا متكاملًا في الفهم والتعامل مع النصوص.
ثانيًا: الجفاة :
وهم على الضد من ذلك؛ إذ يُقصون السلف من الميزان العلمي، ولا يرون لفهمهم قيمة منهجية مميزة، ويرددون: «هم رجال ونحن رجال» ! من غير اعتبارٍ لخصوصية مقامهم، ولا للنصوص الدالة على فضلهم ومكانة أقوالهم. وقد يتخذ بعضهم شعار «التجديد» ذريعة لتجاوز منهج السلف، و«القراءة المعاصرة» وسيلة لإعادة تفسير النصوص بعيدًا عن أصول فهمها الأولى. فيقع بذلك في قطيعة معرفية مع الجذور، ويؤسس فهمًا للدين منفصلًا عن تاريخ تلقيه، ومنهج نقله، وآلية فهمه عبر القرون المفضلة.
ثالثًا: الهداة (أهل المنهج )
وهؤلاء هم الذين سلكوا الطريق المتوازن، فرتبوا مصادر التلقي ترتيبًا منضبطًا وهي باختصار كما يلي :
1- القرآن الكريم: أصل الهداية ومصدر التشريع.
2- السنة النبوية : بيان القرآن وتفصيله.
3- فهم السلف : ميزان الفهم، وضابط التأويل، وحارس المنهج.
فجعلوا آثار السلف :
• عونًا على فهم النصوص.
• واستئناسًا عند وضوح الدليل.
• ومرجحًا عند تعدد الاحتمالات.
• واحتجاجًا عند انعقاد الإجماع.
• ودليلًا عند فقد النص الصريح مع اتفاقهم.
وهذا هو المعنى الذي يشير إليه قوله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ) سورة النساء الاية : 115.
فجعل سبيل المؤمنين – وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان – ميزانًا في الهداية والانحراف.
وبهذا يتحقق الاتباع الحق: لا غلوًّا يُجمّد، ولا جفاءً يُفرّغ، بل هدايةً ترشد، وتصل الماضي بالحاضر، وتُبقي الدين نقيًّا كما أُنزل، صالحًا لكل زمان ومكان.
والله تعالى اعلى وأعلم
التعليقات