الدراجات النارية تعيد تشكيل العنف في الساحل
دين بريس
يبدو أن تطورات الساعات والأيام الأخيرة في غرب إفريقيا تكشف عن عودة المنطقة إلى مربع “الأمن الهش” الذي يتغذى من تلاقي العصابات المسلحة والتمردات المتطرفة على خطوط تماس واسعة وضعيفة المراقبة.
وتسجل الهجمات التي ضربت ثلاث قرى في منطقة “بورغو” بولاية النيجر في نيجيريا، وفق روايات متقاطعة من شهود وسلطات محلية وتغطيات دولية، نمطا عملياتيا قائما على الغارات المتزامنة بسرعة عالية وحركية خفيفة عبر الدراجات النارية، مع حصيلة قتلى تتراوح في التقارير بين أكثر من 30 وصولا إلى 46 قتيلا، إضافة إلى مفقودين ومختطفين وحرق منازل وممتلكات.
وتبرز هذه الغارات أن بؤر العنف في نيجيريا لم تعد محصورة في شمال الشرق حيث ثقل “بوكو حرام” و”ولاية غرب إفريقيا”، وأن ولايات الشمال والوسط، ومنها ولاية النيجر، باتت مسرحا لاقتصاد عنف مركب يجمع بين القتل الجماعي والخطف والابتزاز والسيطرة على المسارات.
وتشير تقارير “رويترز” إلى أن المهاجمين أحرقوا بيوتا ومحلات في القرى المستهدفة، ما يعني أن الهدف يتجاوز إيقاع خسائر بشرية نحو تفكيك قدرة المجتمعات على الصمود وإجبارها على النزوح أو القبول بترتيبات محلية غير مستقرة.
وتوضح مقارنة المشهد النيجيري بالمشهد النيجري على الطرف الآخر من الحدود أن الفارق الظاهر في “نتيجة الاشتباك” لا يلغي وحدة التهديد، وتؤكد رواية قوات الدفاع والأمن في النيجر أنها صدت هجوما على موقع في ماكالوندي بمنطقة تيلابيري قرب الحدود مع بوركينا فاسو، وأعلنت “تحييد” نحو 20 مهاجما وتدمير 12 دراجة نارية مع تسجيل قتلى وجرحى في صفوفها، وهو خطاب يسعى إلى تثبيت صورة جاهزية وردع في فضاء تتنافس فيه الجماعات المسلحة على اختبار حدود الدولة ونقاط ارتكازها.
وتفسر الجغرافيا جزء كبيرا من معادلة العنف الحالية، وتكشف تغطيات دولية أن تحركات المهاجمين بالدراجات النارية تمنحهم قدرة على الالتفاف والانتشار والتخفي داخل أحزمة غابية ومناطق وعرة، وهو ما يضاعف صعوبة الملاحقة، خاصة حين تكون شبكات الإنذار المبكر ضعيفة وتكون المسافات بين نقاط الأمن الرسمية كبيرة.
وتظهر تقارير عن هجمات ولاية النيجر أن الغارات صممت لتقليل زمن الاشتباك ورفع أثر الصدمة، عبر دخول مباغت واستهداف مباشر ثم انسحاب سريع قبل وصول تعزيزات، ما يجعل المدنيين الحلقة الأضعف والأكثر تعرضا للضرر.
وتربط دينامية الحدود في هذه المنطقة بين الداخل النيجيري وشريط الساحل، وتحول أي اهتزاز أمني محلي إلى عامل ضغط إقليمي، وتشير تقارير حديثة إلى أن المناطق القريبة من غابة كاينجي وممراتها تشهد توترات متكررة، كما ترتبط ولايات نيجيريا الحدودية مع النيجر بمسارات حركة الجماعات المسلحة جنوبا وغربا، ما يخلق أثرا تراكميا على الاستقرار: فكلما توسعت مناطق الخوف تراجعت الزراعة والتجارة المحلية وتزايد النزوح الداخلي وتآكلت الثقة في قدرة الدولة على الحماية.
وتحذر التجربة النيجيرية من الرهان على تسويات محلية قصيرة الأجل مع فاعلين مسلحين، وتبين تقارير في سياق آخر قريب زمنيا أن “اتفاقات سلام” محلية انهارت بسرعة وأعقبتها عمليات انتقامية دامية، ما يكشف هشاشة المقايضات التي تُبرم تحت ضغط الخوف، ويظهر أن شبكات العنف تملك دائما قدرة على إعادة التموضع ورفع السقف عند أول احتكاك أو خلاف على النفوذ.
وتدفع هذه الهشاشة نحو نتيجتين خطيرتين: تطبيع وجود المسلحين كقوة أمر واقع، وتحول القرى إلى ساحات مساومة على الأمن مقابل المال أو الامتيازات أو الصمت.
وتستدعي قراءة هذا المشهد تفكيك “اقتصاد الحركة” الذي صار علامة مميزة لعنف غرب إفريقيا، وتُبرز الدراجات النارية هنا بوصفها منصة لوجستية منخفضة التكلفة مرتفعة الأثر، تسمح بالتنقل عبر مسالك غير رسمية وتعقد عمل الجيوش والشرطة التي تعتمد عادة على محاور طرق معروفة.
وتظهر رواية الجيش النيجري عن تدمير دراجات ومصادرة عتاد أن المعركة تُدار أيضا على مستوى قطع وسائل الحركة وتعطيل القدرة على المناورة، فيما تؤكد التقارير الواردة من نيجيريا أن المهاجمين اعتمدوا المنطق نفسه للسرعة والانتشار، وهو ما يفرض على الدول إعادة هندسة الاستجابة من نمط “وصول بعد الحدث” إلى نمط “منع قبل الحدث”.
ترجح المؤشرات أن التصعيد لن يتراجع تلقائيا ما لم تستكمل المقاربة الأمنية بمقاربة أوسع، إضافة إلى تكرار هجمات الفجر والخطف وغياب القوات أثناء الاعتداءات في بعض المناطق، وهو ما يفضح ثغرة “الحضور الدائم” خارج المراكز الحضرية.
وتفرض هذه الثغرة أجندة إصلاح عملياتي تقوم على تقوية الاستخبارات المحلية، وبناء شبكات إنذار مبكر قائمة على الثقة المجتمعية، ورفع جاهزية وحدات التدخل السريع، وتحسين القدرة على التحرك الليلي، مع تعزيز حماية الأسواق والممرات القروية التي تشكل شرايين الحياة الريفية.
وتنتج طبيعة التهديد الحالي مساحة مشتركة بين النيجر ونيجيريا وبوركينا فاسو ومالي، حيث تتحرك جماعات مسلحة على خطوط سيادة رخوة وتستفيد من تباين القدرات وغياب المطاردة المتزامنة.
وتُشير تغطيات دولية إلى أن نيجيريا تتعرض لضغوط وانتقادات تتعلق بحماية المدنيين، وأن تعاونها الأمني مع شركاء دوليين عاد للواجهة في سياق البحث عن أدوات أكثر فعالية، وهو ما يعني أن المعركة المقبلة ستدور حول بناء منظومة تبادل معلومات وتنسيق عمليات عبر الحدود مع احترام القانون وتقليل كلفة الأخطاء على السكان.
وتخلص المعطيات إلى أن غرب إفريقيا يقف أمام معادلة دقيقة: يفرض العنف المسلح منطق السرعة والتشتت والصدمة، وتفرض الدولة منطق المؤسسة والاستدامة والحضور، وتفرض المجتمعات منطق الحياة اليومية وحماية مصادر الرزق.
وتظهر الهجمات في ولاية النيجر أن المدنيين يدفعون الثمن الأعلى حين يتأخر الرد وحين تدار المعركة بمنطق “العملية بعد الفاجعة”، وتظهر معركة ماكالوندي أن الرد العسكري قد يحقق نجاحا تكتيكيا ويترك في الوقت نفسه أسئلة استراتيجية حول استدامة الردع على طول الحدود.
وتحيل هذه الخلاصة إلى ضرورة الجمع بين قوة أمنية ذكية تسبق الهجوم، وقوة تنموية تحاصر بيئة التجنيد، وقوة سياسية تعيد بناء العقد الاجتماعي في الأطراف، لأن الفجوة بين المركز والهامش هي المساحة التي تتحول فيها الدراجات النارية إلى دولة ظل، ويتحول الخوف إلى قانون يومي.
التعليقات