كيف ننجو من فخاخ “الزمار” في عصر الإغراق المعلوماتي؟

15 فبراير 2026

علي البلوي

تُدار الحقيقة في عالمنا المعاصر بمنطق “الإغراق” لا “الحرمان”، حيث لم يعد التهديد يكمن في إخفاء المعلومة بل في تفتيتها داخل “فضاءات كاذبة” تُصمم بعناية لإرباك الوعي الجمعي.

إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد حي لروح رواية “1984” لجورج أورويل، ولكن بأدوات أكثر حداثة؛ فالرقابة لم تعد خشنة، بل أصبحت ناعمة تهدف إلى إغراق الفضاء العام بروايات متناقضة حتى تفقد الحقيقة قدرتها على الإدانة أو التغيير.

وكما يرى المفكر نعوم تشومسكي في نظريته حول “صناعة الموافقة”، فإن وسائل الإعلام والقوى المهيمنة تعمل كمنظومة لضبط التفكير، ليس عبر منع الناس من الكلام، بل عبر تحديد سقف ما يمكن مناقشته، وإغراق ما وراء ذلك في بحر من التفاصيل الهامشية التي تشتت الانتباه عن مراكز القوى الحقيقية.

وتكشف قضايا دولية مثل “فضيحة إبستين” عن هذا النمط من الإدارة؛ فعندما تقترب الحقيقة من دوائر المال والنفوذ العالمي، يتم تحويلها إلى مادة استهلاكية وجريمة جنائية معزولة، لضمان الصمت حول “شبكة النظام” التي سمحت بوجودها أصلاً.

هذا يتقاطع مع ما طرحه نعوم تشومسكي بأن “الطريقة الذكية لإبقاء الناس خاملين ومطيعين هي الحد بدقة من نطاق الرأي المقبول، مع السماح بنقاش حاد جداً داخل ذلك النطاق”، وهو ما يفسر لماذا نرى صراعات إعلامية ضخمة حول القشور، بينما يظل جوهر السلطة والمال بعيداً عن المساءلة.

إن الاستقرار الكامل يمثل خطراً على هذه المنظومة، ولذلك تراهن أطراف كبرى على استمرار “التوتر المنظم”، لأن الحلول الجذرية قد تربك توازنات قائمة على الخوف والتبعية.

وفي قلب هذا الضباب، تبرز “الحرب الثقافية” كأخطر تجليات هذا الإغراق، وهنا يبرز السؤال الجوهري: “من يدفع للزمار؟”.

إن السرديات الثقافية والقيم “المعلبة” التي يتم تصديرها ليست صدفة، بل هي منتج ممول يهدف إلى تفكيك الهويات الوطنية لجعل المجتمعات أكثر سيولة واستجابة لأجندات الأوليغارشيا العالمية.

وكما يشير نعوم تشومسكي دائماً، فإن هذه القوى تسعى لتحويل المواطنين إلى “مستهلكين منعزلين” يفتقرون لروابط حقيقية مع جذورهم أو مؤسساتهم، مما يسهل قيادتهم وتطويعهم. إن القوة التي تدفع ثمن هذه البروباغندا لا تبحث عن التحرير، بل عن خلق أفراد منفصلين عن واقعهم، يسهل إغراقهم في “فضاءات كاذبة” تخدم مصالح من يدفع الثمن في الغرف المغلقة.

ولتحقيق هذا النوع، تعتمد هذه الفضاءات على آليات نفسية معقدة لترسيخ حالة “التيه المعرفي”؛ إذ يتم استهداف الفرد بوابل من المعلومات المتناقضة التي تثير مشاعر القلق والارتباك، مما يؤدي في النهاية إلى “شلل التحليل” والانسحاب من المشاركة الفاعلة.

هذه التقنية النفسية تهدف إلى جعل الفرد يشعر بأن الحقيقة “وجهة نظر” لا أكثر، مما يسهل تمرير أجندات القوى المهيمنة وسط ضجيج الشكوك.

إن صناعة التيه هي المرحلة التي تسبق السيطرة التامة، حيث يصبح الإنسان مستعداً لقبول أي سردية توفر له قدراً من الاستقرار المزيف، حتى وإن كانت تتناقض مع مصالحه الوطنية أو قيمته الإنسانية.

إن أخطر ما في هذه المنظومة ليس الكذب، بل إيصالنا إلى قناعة بأن الحقيقة الكاملة مستحيلة أو غير موجودة. إن مواجهة هذا الإغراق تتطلب وعياً يرفض أن يدفع للزمار ثمن تشويه هويته، ويؤمن بأن السيادة الحقيقية تبدأ من حماية الوعي من “الرقابة الناعمة”.

ففي زمن يُراد فيه للحقيقة أن تكون مجرد تفصيل غامض في سجلات القوى العظمى، يظل التمسك بالثوابت الوطنية والمعرفية والبحث عن الحقيقة المستقلة هو السبيل الوحيد للنجاة من فخاخ الفوضى الدولية التي تُدار بالشكوك والضباب.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...