القيافة وإثبات النسب في الفقه الإسلامي بين النصوص الشرعية والعلوم الحديثة: قراءة اجتهادية مقاصدية في ضوء التحليل الجيني

10 فبراير 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
يُعد النسب من أعظم القيم التي اهتمت بها الشريعة الإسلامية لما له من أثر مباشر في بناء الأسرة، وحفظ الهوية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية والحقوقية. وقد جاءت النصوص القرآنية والسنّية مؤكدة على ضرورة صيانة الأنساب من الاختلاط والضياع، واعتبرت ذلك من مقاصد الشريعة الكبرى الداخلة في باب حفظ الضروريات . ومن هذا المنطلق، اهتم الفقه الإسلامي منذ نشأته ببيان وسائل إثبات النسب وضبطها، ووضع لها قواعد دقيقة تحفظ التوازن بين الاستقرار الاجتماعي والعدل الإنساني .

وفي هذا السياق، عرفت الثقافة العربية منذ القدم وسيلة «القيافة»، وتعني في اللغة: تتبع الأثر للتعرف على صاحبه، والقائف هو الذي يتتبع الآثار ليعرف شبه الشخص بأبيه، أو أخيه. وفي الاصطلاح الفقهي : الفائف هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود، وقد اختلف الفقهاء في إثبات النسب بالقيافة حيث ذهب جمهورهم المالكية على تفصيل والشافعية والحنابلة إلي إثبات النسب بالقيافة في حين ذهب الحنفية إلى عدم إثباته بها .

وقد أثارت هذه الوسيلة نقاشًا فقهيًا منذ عصر الصحابة، خاصة في ظل طبيعتها الظنية. ومع تطور العلوم الحديثة وظهور التحليل الجيني الذي يوفّر درجة عالية من اليقين، عاد النقاش حول إثبات النسب ليطرح نفسه بقوة، خاصة في ما يتعلق بمسألة إلحاق الولد غير الشرعي بأبيه البيولوجي .

ويسعى هذا البحث إلى دراسة القيافة في ضوء النصوص الشرعية ومواقف الصحابة، مع التركيز على منهج عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم تحليل مسألة إثبات النسب في ضوء المقاصد الشرعية والعلم الحديث، وصولًا إلى قراءة اجتهادية مقاصدية تميل إلى إلحاق النسب عند الثبوت العلمي القطعي .

وقد كانت القيافة في أصلها ممارسة اجتماعية عرفها العرب قبل الإسلام، تقوم على ملاحظة الشبه الجسدي والهيئة العامة لتحديد الانتماء الأسري أو القبلي . وقد تعامل الإسلام مع هذه الظاهرة بمنهج واقعي، فلم يُلغها مطلقًا ولم يطلق لها العنان، بل أخضعها لضوابط شرعية دقيقة .

وقد ثبت في السنة النبوية أن النبي ﷺ أقرّ قيافة مُجَزِّز المدلجي عندما رأى الشبه بين أسامة بن زيد وأبيه، ففرح بذلك، وهو ما يدل على أن الشريعة لا ترفض الاستدلال بالمظاهر الخَلقية من حيث الأصل إذا صدرت عن أهل خبرة ولم تعارض دليلًا أقوى . غير أن هذا الإقرار لا يفيد القطع، وإنما يثبت المشروعية من حيث الجملة، ويؤكد أن القيافة تُعتبر قرينة، لا أصلًا مستقلًا في إثبات النسب .

وانطلاقًا من هذا الفهم، اتسم تعامل الصحابة مع القيافة بالحذر والاتزان، فلم يجعلوها دليلًا مطلقًا ولم يلغوها كليًا . فقد ورد عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت استعمال القيافة في بعض القضايا القضائية عند الاشتباه .

أما عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد تميّز بمنهج علمي مقاصدي يقوم على ترتيب الأدلة وتقديم القطعي على الظني، ويُفهم من مجموع فقهه وآثاره أنه كان يرى القيافة وسيلة معتبرة عند الحاجة، لكنها لا تُقدَّم على النص ولا يُبنى عليها حكم مصيري وحدها .

وكان ابن عباس شديد العناية بمآلات الأحكام ومدركًا لخطورة التوسع في الوسائل الظنية في باب الأنساب، لما قد يترتب عليه من اضطراب اجتماعي وظلم فردي، وهو ما يجعله نموذجًا مبكرًا للفقه المقاصدي في هذا المجال .

وبناءً على هذا المنهج، قرّر الفقه الإسلامي وسائل رئيسة لإثبات النسب، أهمها الفراش الشرعي، والإقرار، والبيّنة، والاستلحاق بشروط، ثم القيافة عند بعض الفقهاء كقرينة مساعدة . ويُعد حديث النبي ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» أصلًا مركزيًا في هذا الباب، وقد فُهم في سياقه التاريخي والاجتماعي باعتباره وسيلة لحماية الأسرة القائمة ومنع النزاعات وسدّ باب الادعاءات الباطلة، في زمن لم يكن يملك وسائل إثبات دقيقة .

ولم يكن المقصود منه تجاهل الحقيقة البيولوجية، بقدر ما كان يرمي إلى حفظ النظام الاجتماعي، ومن هنا نشأت قواعد النسب الكلاسيكية في بيئة معرفية تعتمد على الظن وغلبة الاحتمال لا على اليقين التجريبي .

وفي ضوء هذه القواعد، ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ولد الزنا يُنسب إلى أمه، ولا يُلحق بأبيه البيولوجي، ولو ثبت الشبه أو حصل الإقرار. واستندوا في ذلك إلى الحديث النبوي وإلى قاعدة سدّ الذرائع وخشية فتح باب الفوضى الأخلاقية .

وقد كان هذا الرأي مبررًا في سياقه التاريخي نظرًا لغياب وسائل الإثبات القطعي، وخوفًا من التلاعب بالأنساب، ومع ذلك لم يكن هذا الموقف محل إجماع مطلق، فقد نُقل عن بعض السلف جواز الإلحاق في حالات خاصة، مما يدل على وجود مساحة اجتهادية معتبرة .

غير أن تطور المعرفة الإنسانية أحدث تحولًا جذريًا في هذا المجال، إذ أفرزت العلوم الحديثة تقنيات تحليل الحمض النووي التي بلغت درجة عالية من الدقة العلمية، وأصبحت تعتمد في المحاكم والهيئات الطبية والقضائية حول العالم .

ولم يعد هذا النوع من الأدلة من قبيل الظن، بل من قبيل «القطع العرفي» الذي يُبنى عليه القضاء في القضايا الكبرى كالإثبات الجنائي والهوية الشخصية، ومن ثم فإن توصيف هذا الدليل بوصفه مجرد قرينة ضعيفة لم يعد منسجمًا مع واقعه العلمي المعاصر.

ويؤكد هذا التحول ما تشهده الأنظمة القانونية الحديثة من اعتماد واسع على التحليل الجيني في إثبات النسب . ففي البرازيل يُعد فحص الحمض النووي دليلًا رسميًا معتمدًا أمام المحاكم، وتُبنى عليه أحكام الأبوة والنفقة والميراث والمسؤولية القانونية، كما تعتبر المحاكم الامتناع عن إجراء الفحص قرينة ضد المدعى عليه.

وفي دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا، يُعد التحليل الجيني أداة مركزية في قضايا النسب وتُعتمد نتائجه باعتبارها دليلًا شبه قطعي . وعلى المستوى الدولي توصي المنظمات الحقوقية باعتماد هذا النوع من الفحص لحماية حقوق الأطفال وضمان العدالة الأسرية، خاصة في حالات الحروب والنزاعات والهجرة والكوارث، وهو ما يعكس إجماعًا إنسانيًا عمليًا على موثوقية هذا الدليل .

ولا يقتصر اعتماد التحليل المخبري على المجال القانوني، بل يمتد كذلك إلى المجال الشرعي، وخاصة في صناعة الحلال . فقد أصبحت الهيئات الإسلامية تعتمد على المختبرات للكشف عن وجود مشتقات محرمة كالخنزير والكحول، وطبيعة الإنزيمات والمواد المضافة، ومصادر الجيلاتين والدهون..

وبناءً على هذه التحاليل تُصدر الفتاوى المتعلقة بحِلّ المنتجات أو حرمتها، ويُبنى عليها الترخيص أو المنع . وقد أصبح هذا المنهج محل إجماع عملي، إذ لا يُتصور اليوم إصدار حكم دقيق في هذه المجالات دون الاستعانة بالعلم التجريبي، مما يؤكد أن الفقه المعاصر قد دمج المنهج العلمي في منظومته الاستدلالية .

ومن القواعد الأصولية الكبرى التي تؤطر هذا التوجه قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». وحفظ النسب من المقاصد القطعية في الشريعة، فإذا كان تحقيق هذا المقصد في العصر الحديث لا يتم بدقة وعدل إلا عبر التحليل الجيني، فإن هذه الوسيلة تأخذ حكم الوجوب من حيث الأصل، وإهمالها يؤدي عمليًا إلى تعطيل مقصد حفظ النسب أو تحقيقه بصورة ناقصة.

ويثير هذا الواقع إشكالًا منهجيًا مهمًا، يتمثل في قبول نتائج المختبرات في مجالات عديدة ورفضها في مجال النسب، فهي تُقبل في إثبات الطهارة والنجاسة والحلال والحرام والتشخيص الطبي وتحديد الوفاة ومعرفة أوقات العبادات، ثم يُتردد في قبولها في إثبات النسب، هذا تفريق غير مبرر ، ويفتقر إلى الاتساق العلمي والفقهي، فإذا كانت المختبرات العلمية موثوقة في الحكم على قطعة لحم، فمن باب أولى أن تكون موثوقة في تقرير مصير إنسان .

فالشريعة في هذا الباب تقوم على جملة من المقاصد، أبرزها العدل والرحمة ورفع الضرر وحفظ الكرامة الإنسانية . وحرمان الطفل من نسبه البيولوجي رغم ثبوته علميًا يترتب عليه أمور كثيرة منا الأضرار النفسية والاجتماعية والقانونية، لا يتحمل مسؤوليتها، في حين أن إلحاقه بأبيه بضوابط قضائية صارمة لا يؤدي بالضرورة إلى إشاعة الفاحشة، بل يرسخ مبدأ المسؤولية والالتزام .

وفي ضوء ما سبق، يمكن ترجيح القول بجواز إلحاق الولد غير الشرعي بأبيه إذا تحققت شروط واضحة، تتمثل في ثبوت النسب ثبوتًا علميًا قطعيًا، وألا يكون هناك فراش قائم متضرر، وأن يتم الإلحاق بحكم قضائي، مع مراعاة النظام العام، ومنع التحايل أو الاستغلال . وهذا الاتجاه لا يلغي التراث الفقهي، بل يسعى إلى تطويره في ضوء الواقع المعاصر ومقاصد الشريعة .

ويتبيّن من خلال هذه الدراسة أن القيافة كانت وسيلة معتبرة في سياقها التاريخي، تعامل معها الصحابة، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس، بمنهج متوازن، كما أن الفقه التقليدي في مسألة ولد الزنا كان مرتبطًا بظروف معرفية خاصة. ومع تطور العلوم الحديثة وظهور التحليل الجيني أصبح من الممكن تحقيق درجة عالية من اليقين في إثبات النسب، مما يفتح الباب لاجتهاد فقهي جديد يقوم على الجمع بين النصوص الشرعية والعلوم الحديثة .

وإن الميل إلى إلحاق النسب عند الثبوت القطعي لا يُعد خروجًا عن الشريعة، بل هو امتداد لروحها المقاصدية التي تقوم على العدل والرحمة وحفظ الكرامة الإنسانية وصيانة المجتمع من الظلم، وبذلك يظل الفقه الإسلامي قادرًا على التجدد دون التفريط في أصوله ولا الجمود عن مقاصده .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...