اغتيال الرواية في معرض الكتاب!!

6 فبراير 2026

عبده حقي
لم يكن الجدل الذي اندلع في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرّد حادثة عابرة، بل بدا كجرس إنذار ثقافي يرنّ في مسامعنا بقوة حيث بعض الروايات خرجت إلى الظلمة وليس إلى النور وهي تحمل في جسدها آثار “تعليمات داخلية” صادرة عن برنامج ذكاء اصطناعي، نُشرت كما هي تقريبًا، بلا مراجعة ولا تنقيح، وكأن النص قرّر أن يفضح آليته بنفسه. إننا هنا لا نتحدث عن خطأ تقني صغير، بل عن ارتباك أخلاقي عميق: من يكتب؟ من يوقّع؟ ومن يتحمّل مسؤولية المعنى؟

السؤال الأول الذي يفرض نفسه بقلق كبير هو : هل ما زلنا نعرف ما الذي نسمّيه إبداعًا أدبيا ؟

إن الإبداع الأدبي، في جوهره، ليس تراكم جمل سليمة أو حبكات متماسكة فحسب، بل هو نابع عن أثر تجربة إنسانية، وعن ذاكرة، شكّوك، انكسارات، ورغبات في الفهم. وحين يُفوَّض هذا الجوهر إلى خوارزمية تُحاكي ملايين الأنماط السابقة ، ثم يُسلَّم النص للجمهور كالسم في طبق باسم “كاتب”، فإننا نكون قد حوّلنا الكتابة إلى واجهة، والكاتب إلى مدير مشروع، والمعنى إلى منتج قابل للتسويق.

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: أين تبدأ الأمانة الأدبية وأين تنتهي؟

ليس العيب في استخدام أدوات مساعدة على الإنتاج — فالكتّاب على مر تاريخ الكتابة استخدموا دومًا القواميس والمراجع والتقنيات— لكن العيب كل العيب يكمن في الإخفاء المتعمَّد لهذه الأسانيد المساعدة ، وفي ادّعاء أبوة نصّ إبداعي لم يُعاش كتجربة إنسانية ولم يُختمر كفكرة .

حين تظهر داخل الرواية عبارات توجيهية صادرة عن النظام الخوارزمي مثل (“سأواصل السرد مع التركيز على تطور العلاقة…”)، فإن النص لا يكشف فقط عن بلادة صاحبه واتكاليته ، بل عن استخفافه بالقارئ وبالمجال الثقافي برمّته.

إن القارئ يفتح دفتي الكتاب بعقد ثقة وميثاق ضمني مع الكاتب: يسلّم وقته ووعيه مقابل تجربة ذات معنى. وحين تدمر هذه الثقة، لا يخسر القارئ وحده؛ بل تخسر المنظومة الثقافية برمتها، وتخسر فكرة الأدب بوصفه مساحة صدق قبل كل شيء . فهل سيعود القارئ لاقتناء رواية عربية مستقبلا وهو يتساءل: أهذه تجربة إنسان أم تمرين آلي بارد وبليد ؟ ويجرّنا هذا إلى سؤال المستقبل: هل نرضى بتفويض المشهد الأدبي لمن يُجيد “التحايل التقني”؟

إن الخطر الحقيقي ليس في توظيف الذكاء الاصطناعي، بل في شرذمة البشر الذين يوظّفونه بلا ضمير ثقافي. حين تصبح السرعة بديلاً عن العمق، والكمّ بديلاً عن القيمة، فإننا سنكون أمام انهيار بطيء لرصيد الإنسانية في الأدب. الأدب الذي وُلد ليقاوم الابتذال والاختزال، يُختزل اليوم في وصفات جاهزة كوصفات المطبخ.

الفضيحة كذلك لا تخص “كاتبًا” واحدًا، بل منظومة ثقافية سمحت للتفاهة بالمرور. غياب لجان القراءة الصارمة، وتراجع التحرير الأدبي، والتدقيق اللغوي واللهاث خلف العناوين الجديدة—كلها أسئلة تُطرح اليوم وفي المستقبل بحدة : من يحرس بوابة المعنى؟ ومن سيحاسب حين تتسلل الخوارزمية بيننا بمكر وبلا إعلان؟

ليست القضية حربًا على التكنولوجيا، بل دفاعًا عن معنى الكتابة. إن لم نطرح هذه الأسئلة الآن—بصوت عالٍ وضمير يقظ—سنستيقظ يومًا على مكتبات ممتلئة بنصوص بلا ذاكرة، وبأسماء مؤلفين لم يكتبوا سوى أسمائهم على الغلاف.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...