الإمامة في الغرب بين التقدير والتقليل
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب بفرنسا
من أخطر الظواهر التي ابتليت بها مجتمعاتنا المعاصرة: التطاول على مجال التخصص، والتدخل في غير الميدان، والتصدر بلا علم، حتى من أراد مجرد الانتقاد لأي مجال، وخصوصًا في المجال الديني. فالعلماء وأهل الدين لا يُنتقدون إلا من داخل التخصص، ولا يُحاسبون إلا بمنهج علمي، ولا تُناقش أعمالهم إلا بأدوات المعرفة والاختصاص. أما أن يأتي من لم يدرس علومهم، ولم يتعلم قواعدهم، ولم يعرف واقع ميدانهم، ولا أصول تخصصهم، ثم يتجرأ على نقدهم، وتصيد أخطائهم، مستندًا إلى ثقافته العامة في مجال علمي يقيس به مجالًا آخر، فهذا من أشد صور التجني العلمي والفكري، وقديماً قيل: ” من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.” ومما يزيد خطورة هذا التجاوز والانتقاد من غير أهل التخصص، هو استسهال بعض الناس لمقام الإمامة للصلاة واعتبارها مجرد وظيفة أو وسيلة للظهور؛ بينما هي في الحقيقة شرف عظيم ونيابة عن الأنبياء والمرسلين، ومسؤولية وأمانة كبرى، يسأل عنها المرء بين يدي الله عزوجل. ومما يُلاحظ أن هذا الاستسهال في مقام الإمامة لا يقتصر على المجتمعات عامة، بل يظهر بشكل جلي في بلاد الغرب، حيث يظن بعضهم أن الإمامة فرصة للتصدر ! ولنيل المنزلة والحظوة بين الناس فتجد بعضهم يقبل عليها، ويحاول أن يكون من أهلها دون أن تتوفر فيه شروط الإمامة المنصوص عليها في السنة النبوية الواردة في كتب أهل الفقه والحديث. ولو أدرك المرء ما تحمله الإمامة من مسؤولية وثقل، لما تقدم إليها، بل لفرّ منها طالما لم يكن أهلها. وحتى من كان أهلاً لها من الصحابة والصالحين بعدهم، كانوا يفرّون منها، ويتدافعونها، ويخشون تحمل مسؤوليتها لما فيها من عظمة وأمانة كبرى. وهذا يوضح عظمة شأن الإمامة وخطرها على من استهان بها، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم”( رواه البخاري) مما يدل على أن الإمام يتحمل وزر الخطأ وحده، بينما تصح صلاة المأمومين، مما يبرز جسامة المسؤولية الملقاة على من تصدر للإمامة.
وفي هذا الصدد؛ وجب علينا، كأئمة ومسؤولين في المساجد والمراكز الإسلامية، والمؤسسات الدينية، أن ننبه ونحذر من التطفل على مقام الإمامة، خاصة من لا تتوافر فيهم الشروط الشرعية والعلمية اللازمة. فكيف يُعقل أن يتصدر الصلاة من يقرأ فاتحة الكتاب بصورة خاطئة، مع أنها ركن أساسي من أركان الصلاة ؟! أو من يحفظ جزءًا يسيرًا من القرآن ويتقدم؛ بينما خلفه من يحفظ أكثر منه حتى ولو جاز إمامة المفضول للفاضل! وهناك من لا يعرف شيئًا عن فقه الصلاة وأحكامها، كيف له أن يتطاول على مقام الإمامة ؟ فمثل هذا التصرف قد يعرّض المصلين لأخطاء في الصلاة لا يقدرون على تصحيحها، وقد تتضرر الجماعة بانتشار اللبس والخلل، ووقوع الشقاق والنزاع بينهم.
وقد شهدتُ هذه الحالة بنفسي في بعض المساجد بأحد البلدان الأروبية، ورأيت بأم عيني كيف يؤدي نقص التأهيل والمعرفة لدى من يتصدر مقام الإمامة إلى إرباك الجماعة وإضعاف هذا المقام العظيم، مما يؤكد ضرورة أن يكون الإمام أهل علم، وكفاءة، وأمانة، حفاظًا على الصواب وسلامة المصلين.
إن موضوع الإمامة عميق وشائك، واهتمام عامة الناس به قليل بسبب ضعف العلم وقلة الدراية بأحكامه ومقاصده وقد امتدح العلماء هذا المقام، فأطالوا فيه النَّفَس في كتبهم وشروحهم لتوضيح معانيه وفهمه بعمق. وعندما يُستسهَل الأمر من قبل البعض، ينشأ ما لا يُحمد عقباه من الفوضى والبلبلة، ويُفتح المجال أمام انتقاد الأئمة على أخطاء يرتكبها متطفلون على الإمامة، يستغلها البعض لضرب مكانة الأئمة الأصليين وإضعاف دورهم الشرعي والاجتماعي.
وعليه، فلا بد أن تكون جهود المؤسسات الدينية والمراكز الإسلامية والمساجد والجمعيات المشرفة على هذا القطاع على مستوى التطلعات المرجوة، من خلال انتقاء الإمام الكفء، الذي تتوافر فيه شروط الإمامة كما نص عليها الفقهاء، مع إتقان لغة البلد المضيف كما هو الحال في بلاد الغرب، امتثالًا لقوله تعالى: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» سورة إبراهيم الاية : 4 وللقطع مع بعض الظواهر السلبية التي تمس مقام الإمامة، لا يخفى على ذي بصيرة أن هناك استسهالًا للصفات المطلوبة للإمام في بعض بلاد الغرب، حيث يكتفي بعض المشرفين أحيانًا بمتطوع قد لا صلة له بالعلم ولا بالقرآن ولا بالسنة، وقد يُرى من يصلي التراويح وهو يتتبع هاتفه. وفي بعض الحالات، يصل الأمر ببعضهم إلى التعدي على حرمة الإمام الحقيقي، بل وفي حضرته، فيقدّمونه فيما يريدون ويبعدونه عما لا يروق لهم، بما يتعارض مع مصالحهم الشخصية وأنانيتهم. وعندما نرغب في اختيار إمام أو واعظ أو مرشد، فليس بالضرورة أن نعتمد على أهل الشهرة ونتنافس لاستجلابهم، حتى يتعالى بعضنا على بعض قائلين: «جئنا بفلان…»، فكما قيل: “ يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر”. فهناك في الساحة من يفوق بكثير من يظنهم الناس مشاهير.
ولذا، ينبغي أن نختار من كان ربانياً تتجسد فيه صورة العلم والعمل، وهذا لا يدركه إلا ذو الاختصاص، ليكون الإمام قدوة حقيقية ومثالاً للعلم والتقوى، لا مجرد اسم
أو واجهة. فإذا وجدنا الإمام بهذه المواصفات، فهو أخونا الذي ينبغي أن نحب له الخير كما نحبه لأنفسنا، وهو منَّا وإلينا، لا أن نعتبره غريبًا أو عابر سبيل ينتهي بانتهاء مهمته. وعلينا أن نحذر من إيذائه، فقد تتحقق فيه ولاية ويصيبنا ما نكره. وإذا تمسك الناس بهذا الفهم الصحيح، وتعاونوا على الخير وتناصروا على طرق الهدى، فإنهم بذلك يحققون المقصد والهدف المنشود.
ويجب أن يُعلم الجميع أن الاشتغال بالوظائف الدينية لا ينبغي أن يكون متاحًا لمن هبّ ودبّ، خصوصًا أولئك الذين يهرولون وراء مكانة لا يستطيعون الوصول إليها إلا من خلال هذا الطريق. فهذه الوظائف الدينية مخصصة لمن يستحقها بحق، وهم أهل لها دون سواهم، حفاظًا على مقام الإمامة وعلى مسؤولياتها الشرعية والاجتماعية. وَمِمَّا لفت نظري أن بعض الناس يندهشون إذا طرق طارق جديد عند أول سماعه، ويعجبون بكلامه وبالرطانة التي يطرّز بها حديثه، ولو كانت بضاعته مزجاة في العلم الشرعي. لكن سرعان ما يتكشف الواقع عند التمعن والتدبر، فيرون أن محتواه باهت وبريقه زائف، وأن ما أدهشهم في البداية لم يكن سوى زخرفة ونقوش بلا جوهر. وعندما يمر الوقت، وتنكشف الحقيقة، يدركون أن ما كان عليه لم يكن يحمل جديدًا، بل كان كالزبد على الماء، وما إن يتفرق حتى يذهب جفاءً ولا يبقى تحته شيء. عندها، يرجعون إلى ما ينفعهم من مرشدهم القائم بين ظهرانيهم، فيعرفون فضله وقدره، ويلزمونه ويقدّرونه.
وعوام الناس في هذا الجانب معذورون، إذ أن ميزانهم في تقييم الأشخاص معطوب ومنكسر، بينما يبقى ميزان أهل الحق وأهل العلم، الذين يزنون الأمور بموازينها ويعرفون قدر الرجال، فيتمسكون بمن يمتلك العلم والمعرفة وحرقة على مريديه الذين ينهلون من معاريفه.
والله تعالى أعلم.
التعليقات