التفضيل والتكريم والاصطفاء والخيريّة في الخطاب القرآني

4 فبراير 2026

عبد الله القيسي

من مظاهر الخلل في التعامل مع النص القرآني الخلطُ بين مفهوم التفضيل وبين مفاهيم أخرى مغايرة له في الدلالة والاستعمال، كـ التكريم والاصطفاء والخيرية. إذ يُستعمل التفضيل في كثير من الخطابات المعاصرة وكأنه يحمل بالضرورة معنى التكريم الذاتي، أو الاصطفاء الإلهي، أو الأفضلية القيمية المطلقة، مع أن كل واحد من هذه المصطلحات يمتلك في اللغة وفي الاستعمال القرآني حقلًا دلاليًا خاصًا، ووظيفةً محددة، وسياقاتٍ لا يتعداها إلى غيرها.

ومن هنا، فإن إدراك الفروق الدقيقة بين هذه المفاهيم ضرورة معرفية ومنهجية لكشف كثير من الدعاوى التي تقوم على قراءة انتقائية للنص القرآني، وتسعى إلى تحويل التفضيل الوظيفي أو الدنيوي إلى تكريم ذاتي، أو إلى اصطفاء مقدس، أو إلى خيرية ثابتة، تُسوِّغ امتيازات بشرية، أو تُضفي قداسة دينية على أوضاع تاريخية واجتماعية لا يستند إليها الوحي في شيء.

وفيما يلي عرضٌ موجز للدلالة القرآنية لكل من هذه المصطلحات، كما وردت في الاستعمال القرآني.

أولاً: التفضيل

التفضيل من الفضل، والفضل هو الزيادة والعطاء الإضافي الذي يمنحه الله لعباده في حياتهم الدنيا، سواء أكان ذلك زيادة في المال، أو القوة، أو المعرفة، أو القدرة على القيام بوظائف معينة. وقد جاء في الحديث: “مَنْ كان عندَه فَضْلُ ظَهرٍ فلْيَعُدْ به على مَنْ لا ظَهْرَ له، ومَنْ كان عندَه فَضْلُ زادٍ فليعُدْ به على من لا زادَ له”، هذا الحديث يعبّر عن طبيعة التفضيل كزيادة تُمنح للإنسان ليشارك ويكمل غيره، في نظام اجتماعي قائم على التكافل والعطاء المشترك.

وفي القرآن الكريم، نجد أن مفهوم التفضيل يُستخدم للإشارة إلى التفاوت بين البشر في بعض وجوه العطاء والقدرات. هذا التفاوت هو جزء من سنن الخلق والتدبير الإلهي، وهو تفاوت مقصود لذاته، لا ليثبت قيمة جوهرية لإنسان على آخر، ولا ليمنح أحدًا منزلة ثابتة على حساب الآخرين. فالتفضيل القرآني ليس حكمًا أخلاقيًا، ولا معيارًا للقرب من الله، ولا تكريمًا فرديًا أو جماعيًا، وإنما هو توصيف واقعي لتنوع ما أودعه الله في البشر من إمكانات وقدرات، تتفاوت بحسب الأدوار والوظائف.

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ وهذا التفاوت في الرزق وغيره من النعم لا يعني بالضرورة أن صاحب الزيادة أفضل جوهريًا، فقد يكون الفقير خيرًا وأكرم، وقد يكون الغني العكس. فالفارق هنا دنيوي بحت، يهدف إلى تكامل الحياة البشرية، وإلى خلق شبكة من الاحتياجات المتبادلة بين الناس. فالإنسان الذي يمتلك زيادة في مجال معين، قد يكون لغيره تفوق في مجال آخر، وهكذا تتوزع النعم والقدرات لتضمن حياة متوازنة ومتكاملة.

ولذلك يقول الله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. فالعطاء الإلهي هنا شامل للجميع، بغض النظر عن الإيمان أو الكفر، إذ إن التفاوت موجود بين الناس جميعًا. وجاء في الآية التي تليها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلَى بَعْضٍ﴾، فاعتبرت الآية ذلك العطاء لجميع الناس تفضيلًا لكل منهم في مجالات الدنيا، أما الزيادة الكبرى والأعظم، كما يوضح القرآن، فهي للمؤمنين في الآخرة: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.

وهذا المعنى يمتد حتى بين الأنبياء، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فقد فضّل الله بعضهم على بعض بزيادة خاصة في المهمات أو الهبات التي منحهم إياها: من كلمه الله مباشرة، ومن أيده بمعجزات فريدة، ولكن هذا التفضيل لا يترجم إلى قيمة جوهرية أو خيرية بينهم؛ فهو مجرد زيادة في وظيفة محددة وغاية معينة.

ويُلاحظ أن صياغة القرآن للتفضيل جاءت بصيغة متبادلة: “بعضهم على بعض”، فالإنسان قد يُفضَّل في جانب معيَّن، وفي جانب آخر يكون الآخرون مفضلين عليه. فالغني قد يقابله فقير، والعالم يقابله الجاهل، والقوي يقابله الضعيف، وكل ذلك وفق تدبير إلهي حكيم دقيق.

هذه التفاضلات دنيوية ضرورية لضمان تكامل الحياة البشرية. فكل إنسان يمتلك فضلًا معينًا في مجال ما: طبيب في المعرفة الطبية، وآخر في الشعر، وثالث في الفكر أو العلم، وهذا التعدد يجعل المجتمع متكاملًا وقادرًا على أداء مهامه المختلفة. فالتنوع البشري سبب في الوحدة العملية والتكامل الاجتماعي.

والتفضيل بهذا المعنى لا يمنح صاحبه حقًّا زائدًا على الآخرين، ولا يبرر استعلاءً أو هيمنة، وإنما يحدد الموقع الاجتماعي للإنسان ضمن شبكة معقدة من التكامل بين البشر. فتنوع القدرات والمهارات شرط أساسي لاستمرار العمران الإنساني، واختلاف الحظوظ يجعل الناس محتاجين بعضهم إلى بعض، لا متسلطين بعضهم على بعض. وعليه، فإن أي محاولة لتحويل هذا التفضيل إلى ذريعة لامتياز دائم، أو إلى حجة لاحتكار السلطة أو الثروة، يعتبر خروجًا عن دلالة الآيات ومقصودها القرآني.

ثانيًا: التكريم

أما التكريم، فيرد في القرآن بوصفه مبدأً كليًا يشمل الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث انتماؤه أو نسبه أو معتقده. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فجعل التكريم سابقًا على الإيمان والكفر، ومقدمًا على الصلاح والفساد، لأنه متصل بأصل الخلق، وبالنفخة الإلهية، وبالقدرة على الإدراك والاختيار وتحمل الأمانة.

والتكريم هنا هو الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الأخلاقية والتكليف الشرعي. فالإنسان مكرَّم لأنه عاقل، مختار، قابل للخطاب، محاسب على أفعاله. ومن هذا التكريم تنبثق حرمة الدم، وحرمة الجسد، وحرمة الإهانة، مهما كان موقع الإنسان أو حاله.

لكن هذا التكريم العام لا يعني تساوي الناس عند الله في المنزلة الأخروية، ولا يدل على القرب الإلهي، لأن القرآن فصل بوضوح بين الكرامة الإنسانية المشتركة، والكرامة الإيمانية الخاصة. فالمعيار الذي يرفع الإنسان عند الله هو تقواه وعمله. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالتكريم هنا أخلاقي عملي، مفتوح، لا يُورث، ولا يُحتكر، ولا يُنسب إلى جماعة بعينها.

ثالثًا: الاصطفاء

وأمّا الاصطفاءُ، فهو أخصُّ هذه المفاهيم في الاستعمال القرآني، ويُراد به الاختيارُ الإلهيُّ، المرتبطُ بتكليفٍ استثنائيٍّ ووظيفةٍ رساليّةٍ كبرى. فالاصطفاءُ فعلٌ ربّانيٌّ محض، لا يُدرَك بالعقل المجرّد، ولا يُثبَت بالانتماء، ولا يُدَّعى باللّسان.

وقد استعمل القرآن لفظ الاصطفاء في سياق محدد لا يكاد يتجاوز الأنبياء والرسل، ومريم ابنة عمران عليها السلام( )، حيث اقترن الاصطفاء بحمل الوحي، أو القيام بدور محوري في تاريخ الرسالة. وهو في جميع موارده مشفوع بالتكليف، وبالامتحان، وبالمسؤولية الثقيلة.

ولهذا جعل القرآن الاصطفاء عبئًا تاريخيًا، يقتضي الصبر، والابتلاء، وتحمل أذى الناس. وكل محاولة لتحويل الاصطفاء إلى صفة وراثية، أو إلى حق حصري لجماعة أو سلالة، هي مصادمة صريحة لمنطق القرآن، وتوسيع قسري لمفهوم لم يُرِد الله له هذا الاتساع.

وبذلك يتبين أن التفضيل، والتكريم، والاصطفاء مفاهيم متمايزة في أصلها ووظيفتها ومجالها، وأن الخلط بينها يؤدي إلى تشويه الدلالة القرآنية، وتحميل النص ما لا يحتمل، واستدعائه لخدمة دعاوى بشرية لا صلة لها بروح الوحي ولا بمقاصده.

رابعًا: الخيرية

الخيريّة في التصور القرآني مفهومٌ قيميٌّ عمليٌّ، يقوم على العمل والمسؤولية والالتزام الأخلاقي، ولا يُفهم بوصفه وصفًا ذاتيًا ثابتًا، ولا صفةً جوهريةً ملازمةً لفرد أو جماعة بحكم الخِلقة أو الانتماء. فالقرآن يرفض أيَّ تصورٍ يجعل الخير صفةً موروثة أو امتيازًا ذاتيًا، ويؤسس بدلًا من ذلك ميزانًا قيميًا قوامه الفعل، وتحمل الأمانة، والانخراط الواعي في إصلاح الواقع.

ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في الاستعمال القرآني لمفهوم الخيريّة؛ إذ لا تأتي مقرونةً بالهوية المجرّدة، ولا بالانتماء الاسمي، وإنما ترتبط دائمًا بالفعل المؤثّر في حياة الناس. فالخير في القرآن ممارسةٌ ومسؤولية، ولذلك جاءت الخيريّة مرتبطةً بالعمل الصالح في مواضع كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ إذ قيّد القرآن هذه الخيريّة بوظائف ومسؤوليات واضحة، هي: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وبذلك تكون الخيريّة هنا نتيجةً مباشرةً للقيام بواجب الإصلاح، وتحمل المسؤولية القيمية في المجتمع.

وهذا المعنى يتضح أكثر إذا قُورن بالمنطق الذي عبّر عنه إبليس في أول موقف عقدي أخلاقي في التاريخ الإنساني، حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فإبليس أسس اعتراضه على تصور مغلوط للخيريّة، قائم على التفاضل الذاتي المرتبط بأصل الخِلقة. فقد اعتبر أن مادة الخلق (النار) تمنحه خيرية ذاتية تجعله أرفع منزلة من آدم، متجاهلًا تمامًا ميزان العمل والطاعة والمسؤولية.

وهنا تتجلّى المفارقة العميقة التي يقرّرها القرآن؛ إذ أُدين إبليس لأنه عرّف الخيريّة تعريفًا فاسدًا، فربطها بالأصل والعنصر، لا بالفعل والطاعة. ومن ثمّ، فإن أول انحراف عقدي في التاريخ لم يكن إنكارًا لله، وإنما كان ادّعاءً للخيريّة دون عمل، وربطًا للقيمة بالخِلقة لا بالتكليف.

وعلى النقيض من منطق إبليس، يؤسّس القرآن معيار الخيريّة على الالتزام القيمي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، حيث اقترنت الخيريّة بالقوة المشفوعة بالأمانة. وهذا يؤكد أن الخير في القرآن قيمةٌ مركّبة، لا تتحقق إلا بتكامل الكفاءة العملية مع النزاهة الأخلاقية.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...