فقه النوازل.. المنقذ الغائب في زمن الارتباك الحضاري

4 فبراير 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، وتتقاطع فيه القيم، وتتشابك فيه المصالح، يجد العالم الإسلامي نفسه أمام أسئلة جديدة لم يعرفها السابقون بصيغتها الراهنة، ولا واجهوا تعقيداتها بهذا الحجم.

أسئلة تتعلق بالاقتصاد الرقمي، والعلاقات الأسرية الحديثة، والهجرة، والاندماج، والهوية، والتكنولوجيا، والطب، والبيئة، والسياسة، والإعلام، وغيرها من مجالات الحياة المتجددة. وأمام هذا الواقع المتحول، يبرز فقه النوازل بوصفه أحد أهم مفاتيح التجديد الفقهي، وأقربها إلى روح الشريعة ومقاصدها، وأقدرها على ملامسة هموم الناس دون إخلال بثوابت الدين.

فقه النوازل ليس فقها طارئا ولا استثناء ظرفيا، بل هو تعبير أصيل عن حيوية الشريعة وقدرتها على مواكبة الزمن. إنه فقه يتعامل مع الوقائع المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح، ولا حكم مباشر، فيجتهد الفقيه في تنزيل القواعد الكلية والمقاصد العامة على واقع متغير، واضعا نصب عينيه رفع الحرج، وتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وصيانة كرامة الإنسان. وهو بهذا المعنى فقه الحياة، وفقه الواقع، وفقه المسؤولية.

لقد عرف المغرب، عبر تاريخه الطويل، حضورا وازنا لهذا النوع من الفقه، حتى صار فقه النوازل فيه مدرسة قائمة بذاتها، لها أعلامها ومصنفاتها ومنهجها الخاص. فابتداء من القرون الأولى، انخرط الفقهاء المغاربة في معالجة قضايا الناس اليومية، ولم يكتفوا بترديد الأقوال الموروثة، بل سعوا إلى استنباط الأحكام التي تناسب ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وكان دافعهم في ذلك هو الحفاظ على التوازن بين النص والواقع، وبين الثابت والمتغير، وبين المثال والعيش اليومي.

ويبرز شمال المغرب في هذا السياق بوصفه فضاءً علميا وفقهيا متميزا، ساهم بفعالية في تطوير فقه النوازل، مستفيدا من موقعه الجغرافي، ومن احتكاكه المباشر بالأندلس وأوروبا، ومن تفاعله المستمر مع ثقافات مختلفة. فقد عاشت هذه المنطقة حالة من التداخل الحضاري، حيث امتزج الفقه المالكي بثقافات متوسطية وأوروبية، فنتج عن ذلك وعي فقهي مرن، قادر على استيعاب التنوع دون التفريط في الأصول.

ولم يكن هذا التفاعل الحضاري مصدر تهديد للهوية الدينية، كما يتوهم البعض، بل كان دافعا للإبداع والاجتهاد. فقد وجد الفقهاء أنفسهم أمام قضايا جديدة في المعاملات، والعقود، والعلاقات الاجتماعية، والعمل، والأسرة، فاضطروا إلى البحث عن حلول شرعية واقعية، تراعي ظروف الناس وتحفظ مقاصد الدين. ومن هنا نشأت حركة نشيطة في التأليف في النوازل، جعلت من شمال المغرب أحد المراكز العلمية الرائدة في هذا المجال، حتى كاد ينافس العاصمة العلمية فاس في إشعاعه الفقهي.

وفي هذا السياق، تمثل مؤلفات الإمام الشاطبي، وعلى رأسها كتاب “الموافقات”، نموذجا رفيعا لهذا التلاقي بين الفقه والمقاصد والواقع. فقد عبّر الشاطبي عن وعي عميق بأن الشريعة لم تُشرع لتعقيد حياة الناس، ولا لإرهاقهم بالأحكام، بل لتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة. ورأى أن فهم النصوص لا ينفصل عن فهم أعراف الناس وأحوالهم ومآلات أفعالهم. ومن هنا جعل المقاصد والعرف عنصرين مركزيين في عملية الاجتهاد، وهو ما ينسجم تماما مع روح فقه النوازل.

ويُعدّ العرف، في المذهب المالكي، مصدرا معتبرا من مصادر التشريع، لا بوصفه بديلا عن النص، بل باعتباره أداة لفهمه وتنزيله. فالأحكام الشرعية، في كثير من المجالات، ترتبط بالسياق الاجتماعي والثقافي، ولا يمكن عزلها عن البيئة التي تطبق فيها. ولذلك أدرك فقهاء المغرب، في وقت مبكر، أن تجاهل العرف يؤدي إلى فقه جامد، منقطع عن الناس، بينما استحضاره يفضي إلى فقه حي ومتوازن.

ومن أبرز النماذج الدالة على هذا الوعي المتقدم، فتوى الفقيه الشمالي ابن عرضون في قضية “الكد والسعاية”، التي أقرت حق المرأة في الاستفادة من الثروة المشتركة التي ساهمت في بنائها بعملها وجهدها. فقد انطلق ابن عرضون من واقع اجتماعي معين، لاحظ فيه أن النساء يشاركن فعليا في تنمية أموال الأسرة، فاجتهد لإقرار حقهن وفق قواعد العدل والمصلحة، دون أن يصطدم بأصول الشريعة. وكانت هذه الفتوى سابقة لزمانها، ودليلا على أن فقه النوازل ليس فقها محافظا بالمعنى السلبي، بل فقه إصلاحي يسعى إلى تحقيق الإنصاف والاستقرار الاجتماعي.

إن هذا التراث الفقهي الغني لم يكن مجرد اجتهادات فردية، بل كان تعبيرا عن رؤية حضارية متكاملة، تعتبر الفقه أداة لتنظيم الحياة، لا وسيلة للهيمنة أو الإقصاء. وكان الفقيه، في هذا السياق، مثقفا عضويا، يعيش هموم مجتمعه، ويستمع إلى مشاكله، ويبحث عن حلول عملية لها في ضوء الشريعة. ولذلك اكتسب فقه النوازل مصداقيته من قربه من الناس، ومن قدرته على التفاعل مع واقعهم دون تعالٍ أو انفصال.

غير أن المفارقة المؤلمة اليوم هي أن هذا الرصيد التاريخي الهائل لم يعد يحظى بالعناية التي يستحقها، لا في المؤسسات الدينية، ولا في المناهج التعليمية، ولا في الخطاب العام. فقد طغت في كثير من الأحيان نزعات تقليدية جامدة، تكتفي بنقل الأقوال القديمة دون وعي بسياقها، أو نزعات متشددة تحصر الدين في مجموعة من الأحكام الشكلية، أو نزعات حداثية متطرفة تدعو إلى القطيعة مع المرجعية الإسلامية. وفي خضم هذا التشتت، تراجع فقه النوازل، وضعف حضور الاجتهاد المقاصدي، فازدادت الهوة بين الفقه والواقع.

إن المملكة المغربية اليوم، وهي تواجه تحديات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية معقدة، أحوج ما تكون إلى إحياء هذا النوع من الفقه، ليس بوصفه حنينا إلى الماضي، بل باعتباره أداة لبناء المستقبل. فالكثير من القضايا المطروحة في مجالات الأسرة، والمرأة، والشباب، والعمل، والهجرة، والإعلام، والتكنولوجيا، تحتاج إلى مقاربات فقهية جديدة، تنطلق من مقاصد الشريعة وروحها، وتراعي خصوصيات المجتمع المغربي وتنوعه.

ولا يقتصر هذا الاحتياج على المغرب وحده، بل يشمل العالم الإسلامي بأسره، كما يشمل الأقليات المسلمة في الغرب، التي تعيش أوضاعا مركبة، وتواجه أسئلة وجودية تتعلق بالاندماج والمواطنة والهوية والولاء والانتماء. وهذه الأقليات، أكثر من غيرها، تحتاج إلى فقه نوازل مرن، متوازن، يحفظ لها دينها دون أن يعزلها عن مجتمعاتها، ويمكنها من التفاعل الإيجابي مع محيطها دون ذوبان أو صدام.

إن إحياء فقه النوازل اليوم يقتضي قبل كل شيء إعادة الاعتبار للاجتهاد الجماعي، وربط الفقه بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وتكوين فقهاء يمتلكون أدوات الفهم الشرعي العميق، والمعرفة الدقيقة بالواقع المعاصر، والقدرة على التواصل مع الناس بلغة واضحة ومقنعة. كما يقتضي تحرير الفقه من التوظيف الإيديولوجي، ومن النزعات الشعبوية، ومن الصراعات السياسية الضيقة، حتى يستعيد دوره الأصلي بوصفه علما لخدمة الإنسان وتحقيق السلم الاجتماعي.

ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح دون وعي مجتمعي بقيمة الفقه المقاصدي، ودون دعم مؤسسي للبحث العلمي، ودون فتح فضاءات للنقاش الحر والمسؤول بين العلماء والمفكرين والفاعلين الاجتماعيين. ففقه النوازل ليس ملكا لفئة معينة، بل هو رصيد جماعي للأمة، ينبغي توظيفه في خدمة العدالة والكرامة والتنمية والاستقرار.

إن فقه النوازل، في جوهره، هو تعبير عن ثقة الإسلام في الإنسان، وفي قدرته على الاجتهاد والتجدد، وفي قابليته للتفاعل مع التاريخ دون أن يفقد بوصلته القيمية. وهو شهادة على أن الشريعة ليست نظاما مغلقا، بل مشروع حضاري مفتوح، يتجدد بتجدد الحياة.

وحين يستعيد هذا الفقه مكانته الطبيعية، يمكن للعالم الإسلامي أن يتجاوز الكثير من أزماته الفكرية والاجتماعية، وأن يقدم نموذجا حضاريا متوازنا، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على المستقبل .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...