الرياض وإدارة تناقضات المشهد السياسي الأمريكي

3 فبراير 2026

علي البلوي. كاتب أردني

تُعد قدرة الرياض على إدارة التناقضات الصارخة في المشهد السياسي الأمريكي والدولي درساً في الواقعية السياسية الحديثة، حيث لم تكن استضافة هيلاري كلينتون وتاكر كارلسون معاً في يناير 2026 مجرد صدفة بروتوكولية، بل كانت تعبيراً عن “دبلوماسية المسار الشامل” التي تنتهجها المملكة لتجاوز الاستقطاب الحاد في واشنطن.
ففي الوقت الذي يعيش فيه الداخل الأمريكي انقساماً غير مسبوق، نجحت الرياض في أن تكون “المنطقة الخضراء” التي تذوب فيها هذه الخصومات، مرسلةً رسالة مفادها أن علاقة المملكة مع الولايات المتحدة هي علاقة استراتيجية عابرة للأحزاب ولا ترتهن لساكن البيت الأبيض أو لتقلبات المزاج الانتخابي، وهذا بحد ذاته يمثل ذكاءً في التعامل مع الواقع السياسي الدولي وتناقضاته، حيث تُثبت السعودية أنها مركز ثقل عالمي يرحب بالجميع ويفرض أجندته التنموية كأرضية مشتركة للنقاش.
أما فيما يخص هيلاري كلينتون تحديداً، فإن تحولها من “خصم لدود” تتبنى سياسات كانت تصطدم أحياناً مع تطلعات المنطقة، إلى “شاهدة ومشيدة” بالتحول السعودي، هو تغيير سياسي بالدرجة الأولى وليس مجرد مجاملة دبلوماسية. هذا التغيير الجذري في موقفها يعكس اعترافاً براجماتياً من قِبل “المؤسسة السياسية العميقة” في الحزب الديمقراطي بأن “رؤية 2030” قد خلقت واقعاً لا يمكن تجاهله أو معاداته.
فعندما تشيد كلينتون بنموذج التنمية المنظم وبتمكين المرأة في السعودية، فهي لا تقدم إطراءً عابراً، بل تعلن نهاية حقبة “المواعظ السياسية” القديمة، مستبدلةً إياها بلغة الشراكة القائمة على النتائج الملموسة التي رأتها بعينيها في الدرعية وفي قلب الرياض، وهذا التحول يؤكد أن قوة المشروع الوطني السعودي استطاعت “ترويض” الخطاب السياسي للخصوم القدامى وتحويلهم إلى مروجين للفرص الاستثمارية وللنموذج التنموي الجديد.
وفي المقابل، فإن وجود تاكر كارلسون، الصوت اليميني الحليف لترامب، بجانب كلينتون في نفس المنتدى، يبرز براعة الرياض في “تسويق السيادة” وإدارة المتناقضات؛ فبينما كانت كلينتون تقنع الجناح الليبرالي الأمريكي بجدية الإصلاحات الاجتماعية، كان كارلسون يخاطب القاعدة المحافظة في أمريكا بحديثه عن الأمان والاستقرار والقيم الرصينة التي وجدها في المملكة.
هذا التوازن الدقيق مكن السعودية من الحصول على “شهادة ثقة” مزدوجة من قطبين لا يتفقان على شيء في بلدهما، لكنهما اتفقا في الرياض على أن المملكة هي وجهة المستقبل، مما يثبت أن “واقعية الرياض” قد هزمت “مثالية واشنطن” المتخيلة، وحولت الخصومة التاريخية إلى شراكة براجماتية تخدم المصالح الوطنية السعودية أولاً وأخيراً، وتضع المملكة فوق تجاذبات السياسة الأمريكية الداخلية كلاعب دولي مستقل ومؤثر يفرض احترامه على الجميع بمختلف مشاربهم السياسية.
وقد انعكس هذا المشهد الفريد بشكل عميق داخل مراكز الفكر في واشنطن (Think Tanks)، التي رأت في هذا “الإجماع النادر” تحولاً جوهرياً في كيفية تعامل النخبة الأمريكية مع القوة السعودية الصاعدة. فقد أشارت تحليلات صادرة عن مراكز كبرى مثل “معهد الشرق الأوسط” و”مجلس العلاقات الخارجية” إلى أن الرياض لم تعد مجرد حليف نفطي، بل أصبحت “صانعة تريند سياسي” قادرة على إعادة صياغة التحالفات.
واعتبر المحللون في واشنطن أن نجاح الرياض في جمع كلينتون وكارلسون يمثل فشلاً لنظرية “عزل السعودية” التي حاول البعض الترويج لها سابقاً، بل أكدت هذه المراكز أن السياسة السعودية الذكية استطاعت اختراق الدوائر الفكرية للحزبين، حيث بدأ الباحثون في إعادة تقييم المملكة ليس كساحة للصراع الدولي، بل كشريك استراتيجي لا غنى عنه في صياغة النظام العالمي الجديد، مما جعل من زيارة كلينتون منعطفاً تاريخياً أثبت أن القوة السعودية تجاوزت مرحلة الدفاع عن النفس لتصل إلى مرحلة فرض الواقع الذي يجمع عليه الخصوم قبل الأصدقاء.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...