تأثير تزييف الوعي باسم الدين: نموذج تطبيقي

2 فبراير 2026

منتصر حمادة

كان الرأي العام المغربي منشغلا بالتفاعل مع فيضانات القصر الكبير والضواحي، ولا يزال الأمر كذلك، خاصة في ظل التحذيرات الصادرة عن مديرية الأرصاد الجوية، بما يفسر حالة الاستنفار التي انخرطت في مؤسسات الدولة المعنية بهدف التقليص على قدر المستطاع من آثار هذه الأجواء المناخية الصعبة، بل عاينا انخراط منظمات المجتمع المدني وعودة مرة أخرى لمبادرات العطاء والتضامن بين المغاربة، على غرار ما جرى مباشرة بعد زلزال الحوز.

في عز أجواء التلاحم هذه بين السلطة والمواطنين، صدر خبر رحيل الفقيد عبد الهادي بلخياط، ليصبح أحد أحداث الساحة أيضا في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أن الأمر يتعلق بأحد أهرامات الفن المغربي الأصيل، ويكفي تأمل هذا التفاعل موازاة مع برقية التعزية الصادرة عن الملك محمد السادس.

كنا إذن في ما يشبه إجماع على هامش استحضار مناقب الرجل، إلى أن صدر رأي عن “واعظ” من تطوان، ينهل من مرجعية سلفية وهابية، اشتهر بإلقاء النكب والمستملحات في المناسبات العائلية بمدينة تطوان والضواحي، لكنه عمليا، ليس شيخا أو فقيها، بل لا توجد له مؤلفات ولا حتى مقالات في الإسلاميات، وهذا شأنه الخاص.

ما جرى في موقفه الذي نشره على إحدى المنصات الرقمية أنه تضمن ما يشبه الوصاية على الأعمال الفنية للفقيد عبد الهادي بلخياط، مع ترويج خطاب التوبة، وهو “الواعظ” نفسه الذي استضافته مؤخرا إحدى المنابر الإعلامية لكي يتحدث في العلمانية [!] وعلاقة الدين بالسياسة [!] ولكي يصف الفن بأن حرام، وما جاور هذا الخطاب الشائع عند أتباع المرجعية السلفية الوهابية.

يجسد موقف هذا “الواعظ” نموذجا تطبيقيا في تأثير تزييف الوعي باسم الدين، حيث لاحظت انخراط العديد من الأصدقاء في الرد على المعني، سواء من خلال نشر تدوينات أو مقالات، أو حتى نشر أشرطة تقوض خطاب “الواعظ” المعني، منها شريط يظهر عبد الهادي بلخياط رحمه الله، وهو يطرب الجمهور في إحدى المناسبات الدينية بإحدى روائعه الفنية، مع أن تاريخ الشريط جاء في حقبة اعتزاله الغناء ضمن تفاعلات أخرى.

تصريح بسيط من “واعظ” لا يمثل إلا نفسه، تسبب في كل هذا التفاعل، دون الحديث عما شرعت في نشره منصات سلفية وهابية، وهذا مثال نوعي ودال معضلة تزييف الوعي التي يقزم البعض من تأثيرها، بل هناك من يتحدث عن تراجع تأثير تلك الجماعات الدينية، أو التذكير بتراجع الوزن التنظيمي للأحزاب الإسلامية الحركية في الاستحقاقات الانتخابية، بينما الأمر مغاير لهذه القراءات المتفائلة، وبيان ذلك كالتالي.

سبق أن اشتغلنا على معضلة أسلمة مخيال الرأي العام، والمقصود بها، تعرض الجهاز المفاهيمي أو النظري للرأي العام، إلى حالة “قصف إيديولوجي” طيلة عقود مضت، بحكم تأثير الخطاب الصادر عن ظاهرة “الصحوة الإسلامية”، من تيارات سلفية وهابية وإخوانية وغيرها، ومن نتائج الظاهرة، أن نسبة من الرأي العام، أصبحت تتحدث بخطاب إسلامي حركي دون أن تكون لها أي علاقة تنظيمية بتلك التيارات والجماعات، وهذا أحد أسباب فوز الأحزاب السياسية “إسلامية المرجعية” في بعض الاستحقاقات الانتخابية (ضمن أسباب أخرى أولى).

انخرطت العديد من صانعي القرار في المنطقة العربية، منذ خمسة عقود تقريبا، في تبني خطاب الصحوة سالفة الذكر، وفتح الأبواب لها لكي تساهم في ترويج ونشر خطابها عمليا في المؤسسات الدينية والتعليمية وغيرها، وكان علينا انتظار عدة أحداث، من منعطف 11 شتنبر 2001 حتى منعطف يناير 2011، حتى يعيد صناع القرار أنفسهم، النظر في تلك السياسات الخاصة بتصدير عدة أنماط من التدين الإسلامي الحركي للخارج.

في هذا السياق، نقرأ على سبيل المثال لا الحصر، المراجعات التي قامت بها السعودية منذ سنوات بخصوص تدبير الملف نفسه، لكي نعاين الرياض اليوم تنفتح على الرياضة والفن والفلسفة وحتى التصوف (منذ سنتين، نشرت مجلة “الفيصل” الرسمية، ملفا عن التصوف، وهذا موضوع كان من سابع المستحيلات أن يتحقق قبل مراحلة المراجعات، ضمن أمثلة أخرى ليس هذا مقام التفصيل فيها).

تأسيسا على حسن ظن العديد من المتتبعين، يعتقد هؤلاء أن هذه المراجعات، سوف تجعلنا ننتقل بسرعة نحو محطة ما بعد السلفية أو ما بعد الإسلام السياسي (بتعبير الفرنسي أوليف روا أو الإيراني آصف بيات كما جاء في كتاب يحمل العنوان نفسه)، والحال أن الأمر أعقد بكثير، وذلك لعدة اعتبارات، أقلها أن الدول نفسها، صرفت أرقاما فلكية في سياق ترويج خطاب “الصحوة الإسلامية”، وانخراطها منذ سنوات، في صرف ميزانيات فلكية أيضا من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، لا يفيد بالضرورة أن نتائجه سوف تبزغ بعد أيام أو أشهر أو سنوات، لأن نسبة معتبرة من مخيال شعوب المنطقة، تعرضت عمليا لتأثير الأسلمة، السلفية الوهابية الإخوانية وغيرها، هذا دون الحديث عن تأثير الخطاب نفسه السائد اليوم في مؤسسات دينية رسمية ومؤسسات تعليمية، عمومية وخاصة، وفي مراكز أسلمة المعرفة، المغربية والمغاربية والعربية، وليست تفاعلات الأصدقاء مع رأي “الواعظ” المعني، إلا تجربة بسيطة عن تأثير الخطاب إياه.

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...