فهم الحروب ثم تحليلها
علي البلوي
بينما كان العالم يرقب ملامح السقوط المدوي في أروقة منتدى دافوس الاقتصادي العالمي( هذيان ترامب) في يناير 2026، كان ثمة مشهد آخر يُرسم خلف الكواليس، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الهذيان الطبي والدهاء السياسي في عقل دونالد ترامب.
إن قراءة المشهد المركب لما جرى بعد دافوس، بدءاً من تحريك حاملات الطائرات صوب إيران وصولاً إلى الانهيار المفاجئ لأسعار الذهب تحت حاجز الخمسة آلاف دولار، تكشف عن استراتيجية إدارة الفوضى التي انتهجها الرئيس لتحويل عثراته الذهنية إلى مكاسب اقتصادية وجيوسياسية لأمريكا.
لقد بدأت أيام ترامب الصعبة فعلياً عندما تحول منبر دافوس من منصة للقيادة إلى مسرح لما وصفه المحللون الطبيون بالخرف الجبهي الصدغي، حيث خلط ترامب بين أيسلندا وجرينلاند وادعى امتلاك سيادة لا وجود لها، ولم يكن يخطئ فحسب، بل كان يعلن للعالم أن مركز صناعة القرار في واشنطن قد بات غير متوقع وخارجاً عن السيطرة المنطقية.
هذا الانكشاف المهين أمام النخب العالمية والانسحابات الدبلوماسية من عشاءاته الرسمية وضعت ترامب في مأزق وجودي، ولكي يغسل عار السخرية الدولية، لجأ إلى المحرك الأقدم في التاريخ الأمريكي وهو استعراض القوة العسكرية.
تحريك حاملات الطائرات صوب إيران لم يكن قراراً قتالياً نابعاً من ضرورة أمنية، بل كان ستار دخان كثيفاً لحجب رؤية التدهور العقلي الذي ظهر في دافوس، وتحويل النقاش الشعبي من التساؤل حول أهليته العقلية إلى الحديث عن طبول الحرب الوشيكة.
في هذا السياق، استفاد ترامب من هذه التحركات العسكرية عبر رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية، مما دفع الناخبين للالتفاف حول القائد العام في مواجهة تهديد خارجي مفترض، وهو ما يعطل فعلياً أي مساعٍ قانونية أو طبية لعزله.
أما اقتصادياً، فقد أدى هذا التصعيد المصطنع إلى قفزة جنونية في أسعار الذهب التي بلغت مستويات تاريخية عند 5,600 دولار للأوقية مطلع الأسبوع، وهي الحركة التي استغلتها الخزانة الأمريكية والدوائر المالية المقربة من السلطة لجني أرباح هائلة؛ حيث بلغت عوائد الاقتصاد الأمريكي من الارتفاع القياسي لسعر الذهب وتدفقات الاستثمار نحو الأصول المقومة بالدولار ما يقارب 194 مليار دولار كتحولات في القيمة الدفترية للأصول السيادية، إضافة إلى زيادة قيمة الاحتياطيات الاستراتيجية التي عززت الملاءة المالية للدولة في مواجهة المديونية.
وقد لعبت البنوك المركزية الكبرى دوراً محورياً في هذا المشهد المالي العنيف، حيث تشير التقارير المتاحة إلى أن البنوك المركزية العالمية، وبقيادة غير مباشرة من تحركات الأسواق المرتبطة بقرارات واشنطن، قامت بعمليات شراء ضخمة للذهب بلغت نحو 1,100 طن خلال الموجة الصعودية لتأمين احتياطياتها من تقلبات العملة، قبل أن تبدأ عمليات بيع وتصفية جزئية مع ملامسة الذهب للقمة التاريخية، وهو ما ساهم في تسريع الهبوط الحاد للأسعار يوم الجمعة 30 يناير 2026 إلى ما دون 5,000 دولار.
هذا التراجع في أسعار الذهب جاء كجزء مكمل للخطة، فبينما كان العالم يغلي عسكرياً، بدأ ترامب بتسريب أسماء مرشحيه لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي من صقور السياسة النقدية.
هذا التسريب كان مقصوداً تماماً لتعويض خسائر دافوس النقدية، حيث أن تعيين رئيس متشدد يميل لرفع الفائدة يعني تقوية الدولار الأمريكي وتحطيم قيمة الذهب كملاذ آمن بعد أن أدى غرضه في رفع قيمة الأصول الورقية.
الاقتصاد الأمريكي هنا استفاد من استعادة الهيمنة النقدية وعودة الدولار كقوة شرائية عظمى بعد موجة التشكيك الدولية، كما ساهم هذا التراجع في كبح التوقعات التضخمية وجذب السيولة مرة أخرى نحو السندات الأمريكية التي بدأت تعطي عوائد مرتفعة، مما يمنح واشنطن سلاحاً اقتصادياً يوازي قوة الأساطيل في البحار.
على صعيد الأرقام، تراهن إدارة ترامب على أن هذه الهندسة للصدمات ستقود الاقتصاد الأمريكي لتحقيق نمو يتراوح بين 4% إلى 5% خلال عام 2026، مستفيدة من تدفقات استثمارية ضخمة في قطاع السلاح والذكاء الاصطناعي تجاوزت 2.7 تريليون دولار.
إن ما جرى منذ لحظة افتتاح دافوس وحتى سقوط الذهب يثبت أن ترامب يمارس السياسة بعقلية المضارب الذي يحرق الغابة ليبيع الرماد، حيث استخدم مرضه كأداة للتمويه، وحاملات طائراته كأداة للضغط، وانهيار الذهب كشهادة ميلاد جديدة لقوة الدولار تحت إدارة نقدية أكثر قسوة، ضامناً بذلك البقاء فوق العرش حتى وإن كان المسرح كله يغرق في الهذيان.
التعليقات