لماذا تأخرت إفريقيا جنوب الصحراء.. أجوبة أولية
لطفى الصمدي
منذ أكثر من خمس سنوات، طُرح بيني وبين الصديق مهدي بوعبيد نقاش طويل حول سؤال يبدو بسيطا في ظاهره لكنه شديد التعقيد في جوهره: لماذا تأخرت إفريقيا جنوب الصحراء في الوقت الذي شهد فيه باقي العالم مسارات مختلفة من التقدم؟
امتد النقاش لساعات، وتناولنا فيه زوايا تاريخية وجغرافية واقتصادية متعددة، قبل أن نخلص إلى تفسير رئيسي واحد، بعيدا عن القراءات العنصرية أو التبسيطات الاختزالية التي كثيرا ما تشوّه هذا الموضوع.
تُفسَّر حالة التأخر البنيوي لإفريقيا جنوب الصحراء، وفق ما استقرت عليه البحوث التاريخية والاقتصادية، بوصفها نتيجة مسار تاريخي طويل اتسم بالابتعاد النسبي عن مراكز التراكم الحضاري الكبرى، ثم التعرض المتأخر لاحتكاك غير متكافئ مع قوى صناعية مكتملة. هذا التفسير لا ينطلق من أي افتراضات عرقية أو ثقافية، بل من تحليل تراكمي للجغرافيا، والبيئة، وشبكات التفاعل، ثم تطور المؤسسات عبر الزمن.
منذ بدايات التاريخ المدون، لم تتطور الحضارات في عزلة. التقدم لم يكن ابدا نتاج عبقرية محلية منفصلة، بل ثمرة تفاعل مستمر بين مجتمعات متجاورة تتبادل التقنيات، والمعرفة، وأنماط التنظيم السياسي والاقتصادي. في هذا السياق، شكّلت أوراسيا، الممتدة من الصين إلى المتوسط وأوروبا، فضاء حضاريا مترابطا منذ آلاف السنين. الزراعة الكثيفة، تدجين الحيوانات، الكتابة، النقود، الدولة البيروقراطية، ثم لاحقاً الطباعة والبارود، كلها انتقلت وتراكمت داخل هذا المجال عبر التجارة والحروب والهجرة. هذا التراكم لم يكن متساويا، لكنه كان متصلا ومتسارعا.
في المقابل، وُجدت إفريقيا جنوب الصحراء خارج هذا القلب التفاعلي الكثيف (نفس الامر حدث مع الامريكيتين). لم تكن معزولة عزلة مطلقة، لكن درجة اندماجها كانت أضعف وأبطأ. الصحراء الكبرى لعبت هنا دورا مهما بوصفها حاجزا طبيعيا رفع كلفة الاتصال المنتظم مع شمال إفريقيا والمتوسط. التجارة العابرة للصحراء وُجدت وأسهمت في نشوء دول قوية مثل إمبراطورية مالي وإمبراطورية سونغاي، لكنها تأثيرها بقي محدودا بسبب نقص تبادل الخبرات مع الآخر.
إلى جانب الجغرافيا، فرضت البيئة الاستوائية والمدارية قيودا ثقيلة على التراكم طويل الأمد. انتشار الأمراض المتوطنة، وعلى رأسها الملاريا وداء النوم، خفّض متوسط العمر ورفع وفيات الأطفال، ما قلّص الكثافة السكانية في مساحات واسعة. هذه الظروف حدّت من تراكم رأس المال البشري ومن نشوء مدن كبرى مستقرة، وهي عادة مراكز الابتكار والمؤسسات المعقدة. كما أن وجود ذبابة تسي-تسي قيّد استخدام الحيوانات الجرّارة والخيول، ما انعكس مباشرة على الزراعة الكثيفة، والنقل، والتنظيم العسكري.
رغم هذه القيود، لم تكن إفريقيا جنوب الصحراء خارج التاريخ أو بلا نظم سياسية واجتماعية فعالة. نشأت فيها أشكال حكم واقتصادات وتجارات ملائمة لبيئاتها، وحققت توازنا محليا مستداما لقرون. غير أن معيار القوة في التاريخ العالمي لم يكن الاستقرار المحلي، بل القدرة على التوسع والتكيف في مواجهة منافسين خارجيين يمتلكون أدوات تقنية وتنظيمية أعلى. هذا هو الفارق الحاسم.
التحول الجذري وقع مع العصر الحديث. حتى القرن الخامس عشر، لم يكن الأوروبيون متفوقين تفوقا ساحقا على القوى الإفريقية أو الآسيوية. غير أن الثورة الصناعية غيّرت قواعد اللعبة بالكامل. أوروبا دخلت مرحلة إنتاج صناعي واسع، وتنظيم عسكري وسياسي متقدم، وتفوق بحري وتقني تراكمي لم يكن لأي مجتمع خارج أوراسيا نصيب فيه. عندما حدث الاحتكاك المكثف مع إفريقيا جنوب الصحراء، لم يكن احتكاكا بين مسارات متقاربة، بل صدمة غير متكافئة بين عالم “متقدم” وعالم “بدائي”.
الاستعمار الأوروبي لم يكن مجرد سيطرة سياسية، بل عملية إعادة تشكيل عميقة للمجتمعات الإفريقية. أُعيد توجيه الاقتصادات نحو الاستغلال الفاحش للموارد الطبيعية لا التصنيع، وجرى تفكيك أو تحييد البنى السياسية المحلية، ورُسمت حدود لا تعكس الواقع الاجتماعي، ومنع تشكّل نخب اقتصادية وطنية مستقلة. هذه المؤسسات الاستخراجية، كما يبيّن أدب الاقتصاد السياسي الحديث وخصوصا أعمال مثل Why Nations Fail، هي التي ثبّتت الفجوة التنموية حتى بعد تراجع أثر العوامل الجغرافية المباشرة.
كان قدر إفريقيا ان تدخل العصر الحديث لا بوصفها فاعلا مشاركا في صياغته، بل كمفعول به يُدار من الخارج. و حتى بعد الاستقلال، ورثت دولا حديثة بحدود مصطنعة، وثقافات هجينة، ومؤسسات هشة، واقتصادات أحادية، في عالم دولي تنافسي لا يمنح المتأخرين وقتا كافيا لإعادة البناء. هذا التفسير لا ينفي وجود مسارات ناجحة نسبيا في بعض الدول التي استطاعت بناء مؤسسات أكثر فعالية بعد الاستقلال، ما يؤكد أن الخيارات المؤسسية قادرة، جزئيا، على تجاوز القيود التاريخية.
اليوم، لا تزال الفجوة التراكمية قائمة، بل تتعقّد بفعل تحديات معاصرة جديدة: ارتفاع مستويات الدين، الصراعات الداخلية، هشاشة الدولة في بعض المناطق، وتأثيرات تغير المناخ على الزراعة والموارد. هذه العوامل تجعل الانتقال نحو نمو مستدام أكثر صعوبة، لكنها لا تلغي جوهر التفسير البنيوي.
التعليقات