إيران: التآكل أشد من الحرب
علي البلوي. كاتب أردني
بعد عقود من الاستنزاف والضجيج العسكري المتبادل، يبدو أن المنطقة لم تعد بانتظار “ساعة صفر” تقليدية، بل هي بصدد معاينة الفصل الأخير من عملية تفكيك بنيوية وهيكلية لنظام استنفد كافة أوراقه الاستراتيجية.
الحقيقة التي تتبلور الآن بعيداً عن صخب التصريحات هي أن ما تواجهه إيران ليس حرباً شاملة ستغير الجغرافيا، ولا ثورة كلاسيكية ستغير الوجوه، بل هو مسار “تآكل ذاتي” مدروس، يُقاد بأدوات الشلل الاستراتيجي والضغط تحت سقف الانفجار.
لقد انتقلت العقلية الدولية من التفكير في “تغيير النظام” إلى مرحلة “إعطاب النظام”، وذلك نتيجة إدراك عميق للمأزق الذي تفرضه الضربة العسكرية؛ فهي إن لم تكن قاضية ستمنح النظام عمراً إضافياً تحت شعار المظلومية، وإن نجحت في الإسقاط فستترك فراغاً جيوسياسياً يفتقر إلى البديل الجاهز والمشروع الوطني الموحد.
هذا التردد ليس ضعفاً، بل هو تحول في العقيدة القتالية نحو “الموت السريري”، حيث يُترك النظام ليواجه استحقاقات فشله التاريخي أمام شعبه ومؤسساته، وسط إصرار دولي غير معلن على سحب كافة مقومات البقاء وأسباب الحياة عنه منذ أن بدأت أذرعه الإقليمية بالتساقط كأحجار الدومينو.
إن كل محاولات الإنعاش السياسي والالتفاف الاقتصادي لن تضمن الحياة لنظام قرر المجتمع الدولي إغلاق كافة مسامات تنفسه، خاصة بعد الانكشاف الأمني المروع الذي جعل من مفاصله الحيوية ساحة مفتوحة للاختراقات النوعية، حتى أصبح النظام “أضحوكة” بين الإيرانيين أنفسهم، وهم يشاهدون هشاشة “القبضة الحديدية” التي لم تعد تحمي حتى المربع الأمني الأكثر سرية.
واليوم، يراقب الداخل الإيراني بمرارة دروس التاريخ القريبة؛ يشاهدون برامج التلاعب النفسي وكيف تمت صفقة مادورو لإنقاذ فنزويلا من الاحتلال والانهيار الكامل، وكيف تنازل مبارك عن الحكم حقناً للدماء، وكيف سقط الأسد باتفاق دولي كانت طهران نفسها جزءاً منه، ويرون دولاً أخرى حُجّمت أدوارها بقرار سيادي من دول مجاورة، مما يؤكد أن البقاء ليس لمن يملك السلاح، بل لمن يملك القدرة على التكيف مع محيطه.
الرهان الحقيقي انتقل إلى قلب المجتمع الإيراني الذي يرى اليوم نظاماً بدد ثروات أجيال بأكملها على مغامرات خارجية وحروب بالوكالة لم تعد عليهم إلا بفقر تضاعف، وجوع تفشى، وتخلف تقني واقتصادي عزل البلاد عن ركب الحداثة.
الرهان بات على “التجفيف المالي” الذي يضرب عصب الولاءات داخل المؤسسات العسكرية، حيث يبدأ الضباط والقيادات الوسطى بإدراك أن العقيدة القتالية لا تطعم جياعاً ولا تحمي دولة مخترقة أمنياً. إن أي تحرك خارجي لن يستهدف “احتلال” الأرض، بل سيستهدف شل مفاصل السيطرة المتبقية لإحداث شرخ عميق يؤدي لانتظار لحظة الانكسار الداخلي نتيجة فقدان التوازن الذاتي بما يمنح الطبقة الوسطى الشجاعة الكافية للتغيير.
ما نعيشه الآن هو لحظة “السيولة الاستراتيجية” التي تفتقر إلى سيناريو خروج آمن، لكن الثابت الوحيد هو أن إيران كما عرفناها تقترب من نهايتها.
نظام موجود في الشكل، لكنه فاقد للقدرة على الفعل، بعد أن نُزعت منه أنياب التوسع وسُدت في وجهه مسارات الالتفاف. إنها نهاية الأوهام الكبرى حول الحلول السهلة، وإدراك متأخر بأن التاريخ يُكتب حين ينهار البنيان تحت ثقل فشله وتخبطه، وحين يكتشف الشعب أن ثمن “وهم القوة” كان ضياع مستقبله وقوته اليومي.
التعليقات