ما حدث بعد نهائي كأس أمم إفريقيا لا يفسَّر بمنطق كرة القدم، ولا حتى بمنطق المنافسة القارية، بل بمنطق الهوية، المكانة، والحسد الجيو-رمزي. الكراهية التي انفجرت تجاه المغرب لم تكن وليدة ضربة جزاء صحيحة، ولا الهدف الذي الغي قبله للسنغال، بل نتيجة مسار طويل جعل المغرب ينتقل من موقع “البلد العادي” إلى موقع الاستثناء المزعج.
المباراة نفسها كانت فوضى رمزية. قرارات تحكيمية درامية في الدقائق الأخيرة، انسحاب لاعبين، فوضى وشعب جماهيري، ضغط نفسي غير مسبوق، ثم هدف قاتل مباشرة بعد انطلاق الوقت الإضافي. هذا النوع من النهايات لا يُنتج فقط خاسرًا رياضيًا، بل يُطلق حاجة جماعية للبحث عن مذنب. المغرب، باعتباره البلد المنظم، الطامح، الناجح، وجد نفسه المرشح المثالي لهذا الدور.
لكن الكراهية لم تبدأ في الدقيقة 93. بدأت قبل ذلك بكثير. بدأت عندما نجح المغرب في تنظيم بطولة غير مسبوقة إفريقيًا من حيث البنية، الأمن، النقل، الملاعب، الصورة، والانضباط. النجاح في فضاء اعتاد الفشل لا يُستقبل بالإعجاب، بل بالريبة. حين ترفع السقف، تُحرج من تعوّدوا انخفاضه. وحين تنجح، تُذكّر الآخرين بعجزهم.
المغرب لم يكن فقط منظمًا جيدًا، بل كان قويًا رياضيًا، حاضرًا دبلوماسيًا، واثقًا من نفسه. هذا الجمع بين القوة والتنظيم والاستقرار يخلق ما يُسمّى تهديد المكانة. دول وجماهير كثيرة لا تكره المغرب لأنه أخطأ، بل لأنه نجح. النجاح هنا يُفسَّر فورًا كغش، والتميز كتحايل، والتنظيم كـ “كولسة”. هذا منطق نفسي دفاعي معروف: حين يعجز الآخر عن اللحاق بك، يُنزلك أخلاقيًا بدل أن يرفع نفسه عمليًا.
ردود الفعل في موريتانيا، الجزائر، مصر، وغيرها لم تكن تعبيرًا عن حب للسنغال، بل تعبيرًا عن شماتة في سقوط المغرب. المغرب، في المخيال الإقليمي، لم يعد “بلدًا شقيقًا”، بل أصبح مرآة مزعجة. وجود مرآة ناجحة في فضاء مأزوم يولّد رغبة في كسرها، لا في النظر إليها.
بيانات الجامعة السنغالية التي انتقدت الفندق، الأمن، النزاهة، لم تكن ملاحظات تقنية، بل أدوات ضغط. هذا سلوك سياسي كلاسيكي حين تختلط الرياضة بالصراعات المؤسساتية. حين يكون هناك خلاف مع شخص نافذ، تُستعمل البطولة، الإعلام، والرأي العام كساحة ابتزاز. النزاهة لا تُكتشف فجأة بعد الهزيمة، والشفافية لا تُطالب بها فقط حين تخسر. هذه أوراق ضغط، لا مبادئ.
أما أخطر ما في كل هذا، فهو الدرس الذي اتمنى ان يتشكل داخل الوعي المغربي: الكرم المفرط في فضاء غير متكافئ ليس فضيلة، بل سذاجة استراتيجية. المغاربة غلبتهم العاطفة. فتحوا البيوت، سهّلوا كل شيء، رفعوا شعارات “Welcome to Morocco”، تصرفوا وكأنهم يستضيفون أصدقاء. لكن الواقع كشف أن كثيرًا من هؤلاء لا يرون في المغرب صديقًا، بل ساحة، أو فرصة، أو خصمًا يجب إسقاطه حين يعلو أكثر من اللازم.
العلاقات غير المتوازنة عاطفيا تنتج دائما خيبة. حين تعطي أكثر مما يُعطى لك، لا تُكافأ، بل تُحتقر. وحين تُفرط في الترحاب، تُفسَّر مرونتك كضعف. ما حدث بعد النهائي كشف أن كثيرًا من “الأخوة” المعلنة لا تصمد أمام اختبار المصالح.
هنا تصبح مقولة العروي واضحة وقاسية: المغرب جزيرة. ليس بمعنى الانعزال الجغرافي، بل بمعنى الاستقلال الذهني. جزيرة لها تاريخها، توازناتها، مصالحها، وخياراتها. جزيرة لا تنتظر الحب من الخارج، ولا تبني سياساتها على العاطفة، ولا تخلط بين الأخلاق والمصالح.
لا صداقات دائمة، لا أخوة أبدية، لا شعارات تُغني عن الواقع. في السياسة، في الرياضة، وفي العلاقات بين الدول، القاعدة واحدة: الاحترام يُنتزع بالقوة الهادئة، لا يُستجدى بالكرم. من لا يحترمك وأنت قوي، لن يحبك وأنت طيب.
إن كان لهذا النهائي معنى يتجاوز الخسارة، فهو أنه قد يكون لحظة نضج جماعي. لحظة يفهم فيها المغاربة أن حسن النية وحده لا يصنع علاقات صحية، وأن المصالح الواضحة أفضل من المشاعر الغامضة، وأن التعامل بعقل جزيرة مستقلة أقل كلفة من وهم قارة ممتنة.
التعليقات