منهج ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: قراءة معاصرة

18 يناير 2026

عبد الإله زيات

منهج ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل هو أكثر رد دفاعي على خصومه من المتكلمين والفلاسفة ونعده إعادة تأسيس للاستدلال النقدي داخل أفق معرفي يدمج بين النص والعقل والفطرة، ويرفض أن تسلم للمنطق الأرسطي الصياغة النهائية لمفهوم العقلانية، هذا ما تؤكده الدراسات المعاصرة التي تعالج المنهج التيمي…خصوصا دراسة Ibn Taymiyya’s logic of Intellectual preference in his Darʾ Taārud al-Aql wa-al-Naql للباحثين محمد الجدي وإبراهيم زين والتي تقدم مفهوم المفاضلة الفكرية بما هي إطار منهجي فريد لنقد الآخر بعيدا عن الشخصنة ومنهجية القوالب الجاهزة.

في هذه الدراسة تعرف المفاضلة الفكرية أنها معرفة شاملة لدقائق المسائل الخلافية وما نجم حولها من آراء متباينة بمعايير موضوعية لا انفعالية في تقييم الملابسات الفكرية وهذا التصور للنقد والاستدلال لا يجعل من ابن تيمية مناهضا للمنطق بالعكس لكونه ينتقد أهم افتراضاته المنهجية عندما تفقد علاقتها بالواقع والنص ويرفض تحويل المنطق الصوري إلى سلطة عليا مطلقة فوق النص الشرعي والواقع المعاش.
وتأكيدا على هذا يشير تحليل حديث منشور في MDPI Religion أن النقد التيمي للمنطق الأرسطي لا يرفض العقل بقدر رفضه لاعتبار التجريدات المنطقية كأطر مطلقة فيقول:

“His objection to universals is likewise rooted in epistemic realism. Ibn Taymiyyah denies that abstract concepts have an independent ontological status…. instead he sees them as mental constructs that emerge through abstraction from particular instances… true certainty (yaqīn)… is attained through a combination of authentic transmission, sound reasoning, linguistic clarity, and a preserved fiṭrah.”

اختياري لهذا الاقتباس الدقيق اريد به إظهار جوهر النقد التيمي، لا ينفي القدرة على التفكير إنما يحجم عن إعطاء الكليات والتجريدات صلاحية استنتاجية مطلقة خارج سياقها التداولي واللغوي والواقعي، في تصوره المعرفة الأكيدة وما يمكن اعتباره يقينا هي تلك التي تنبثق من تكامل بين النقل الصحيح والمنطق السليم واللغة الواضحة والفطرة الإنسانية، وليس من قواعد منطقية مجردة تطبق كتعويذات، والفرق بين هذا المنهج وبين ما يشيعه النقد التبسيطي هو أن المقارنة التقليدية تسيء فهم موقف ابن تيمية على أنه رفض شامل للعقل والمنطق في حين أن قراءات أكثر موضوعية مثل هذه الدراسة تبين أن نقده من داخل المنظومة المعرفية نفسها، يصحح أدوات التفكير بدل أن يهدمها ويجعل النتيجة المعرفية ناتجة عن تقاطع النص والعقل والفطرة بدل اعتبار العقل مجرد أداة شكلانية.

كتاب درء تعارض العقل والنقل نفسه كما يشير تحقيق محمد رشاد سالم يقوم على إثبات أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين العقل الصحيح والنقل الصحيح، وأن ما يبدو تعارضا هو نتيجة سوء فهم أو إسقاط منهجي لمعايير غير ملائمة على نصوص الوحي، بالتالي المنهج النقدي لدى ابن تيمية يمكن تلخيصه في ثلاثة عناصر مركزية، رفض اعتبار الكليات المنطقية مستقلة عن استعمالها في السياقات الواقعية والنصية، كما يعرفها النقد المعاصر. التجريدات المنطقية ليست موضوعا معرفيا قائما بذاته خارج لغة الاستخدام، وترجيح ما يسميه المفاضلة الفكرية من منطلق علم شامل وتقييم موضوعي للأدلة بدل أحكام مسبقة، وهو ما يستدعي معرفة دقيقة بجميع الأطراف والرؤى قبل إصدار الحكم العلمي.

اما والتأكيد على توافق العقل الصحيح مع النقل الصحيح بحيث لا يكون العقل معيارا قائما بذاته ولا النقل معطى جامدا غير قابل للنقد والتحقيق وعليه فإن المنطق عند ابن تيمية لا ملغى ولا مرفوض بل يعاد توجيهه أين يكون أداة خادمة لما هو واقعي ونصي وحقيقي بعيدا عن كونها آلة صياغة مجردة تستعمل بمعزل عن السياق، واظنه ما يميز منهجه عن النسق الأرسطي الذي يميل إلى العقلنة التجريدية التي يمكن أن تقود إلى تعارضات زائفة بين العقل والنقل كما ناقش من قبله الغزالي في تهافت الفلاسفة وجعلها موضوع مواجهة معرفية ليست رفضا للعقل لكنها إعادة تموضعه ضمن إسناد النص الصحيح والمنهجية السليمة.
ولمن يجادلون بغير علم، أستخلص أبرز الأفكار… إن ابن تيمية لا يرفض العقل ولا المنطق لأنه نقد المنطق الذي اختزل إلى أشكال فارغة بلا علاقة فعلية بالواقع والنص، دراسته درء تعارض العقل والنقل غير مظهرة لعقل معاد للمنطق باعتبارها إعادة تأسيس للعقل بما هو أداة نقدية مرتبطة بالوحي والمعنى.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...