إنفاذ القانون: مسألة سيادية ودستورية في دولة الحق والقانون و المؤسسات.
ذ. محمد المهدي اقرابش
لا يُعْذَرُ أحدٌ بجهله للقانون، ولا جريمة بدون نص، وقرينة البراءة هي الأصل، والشك يكون لفائدة المتهم. هذه مبادئ كنا ندرسها في القانون الجنائي العام والخاص وعلوم الإجرام أيام الطلب بجامعة محمد الخامس للعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط و بالجامعات الفرنسية وفي ردهات وقاعات المحاكم خلال مرحلة التكوين والتدريب كمحام متمرن .
إن الفلسفة الجنائية تؤكد على ضرورة احترام و إنفاذ القانون للحفاظ على تماسك المجتمع وإشاعة الثقة بين أفراده، لأن العدل أساس الملك والحكم الراشد وضمانة لسير المؤسسات.
أما الظلم وارتكاب الجريمة وعدم احترام القانون فهو علامة على التخلف والفساد، وتهديد لمصالح المجتمع برمته.
وقد اكتسب المغربي منذ زمن طويل، خبرة كبيرة في التشريع وسن القوانين. و أنتجت الأسرة القضائية نخبة متميزة من السادة القضاة والمحامين والأساتذة المغاربة الذين تشبعوا بقيم ومبادئ القانون ونبغوا في الاجتهاد الفقهي والقانوني -و هم كُثُرٌ بحمد الله- أخص بالذكر منهم على سبيل المثال الأساتذة والفقهاء الأجلاء : الأستاذ أحمد الخمليشي والأستاذ محمد ادريس العلمي المشيشي والأستاذ عمر عزيمان والأستاذ عبد اللطيف المنوني. وهم غيض من فيض، وَقِسْ على من لم يُذْكَرْ.
ينص القانون الجنائي العام على أنه لا جريمة بدون نص ولهذا فكل من ارتكب جرما منصوصا عليه في القانون، فإنه يعَاقَبُ ولا يُتْرَكُ دون عقوبة سجنية نافذة او غير نافذة او عقوبة مالية. وإن اقتضى الحال فقد يُصْدِرُ القاضي بدائل للعقوبة الحبسية، وله سلطة تقديرية يخولها له القانون لتكييف الجريمة وتقدير الظروف المشددة أو المخففة للعقوبة.
إذا توفرت العناصر الثلاثة للجريمة، فإن القانون يتدخل ليزجر ويعاقب ويمنع الفعل الجرمي. وعناصر الجريمة ثلاثة وهي :
– ارتكاب الفعل الجرمي أو ترك فعل أمر به القانون أو الإهمال.
– نية الفعل الجرمي.
– وجود نص لتجريم الفعل. لأنه لا جريمة بدون نص.
يسعى القانون الجنائي إلى محاربة الجريمة وبناء مجتمع سليم من الأمراض والآفات. فلا تسامح مع الفعل الجرمي لأنه كالسرطان إذا انتشر في المجتمع فإنه يقضي عليه ويدمره. والشرع الحنيف والقانون معا، يفرضان احترام القانون و إنفاذه وقد جاء في الأثر “إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن”. أي أن الزجر بالسلطة و بالقانون النافذ هو فعال وذو أثر في المجتمع بدل الاكتفاء بالوعظ والنصح فقط. لا يستثنى من هذا الأمر شريف ولا وضيع، كبير ولا صغير، مواطن ولا مقيم. فلا أحد فوق القانون والكل ينطاع له.
إن هاجس المسطرة الجنائية هو توفير ظروف المحاكمة العادلة، واحترام حقوق الأفراد، وصون حريات المواطنين والمقيمين والوافدين من جهة، ومكافحة الجريمة وتوفير الأمن والاستقرار للمواطنين والمقيمين والوافدين من جهة أخرى.
قد تبنى القانون الجنائي المغربي و المسطرة الجنائية ضمانات للمحاكمة العادلة على مستوى الدعوى العمومية وكل السلطات المختصة بالتحري عن الجرائم و كذلك على مستوى إجراءات المحاكمة وطرق الطعن. ويتم كل هذا الأمر في توافق مع مبادئ الدين الحنيف والدستور المغربي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 خاصة في المبادئ التالية:
– تفسير الشك دائما لفائدة المتهم؛
– قرينة البراءة؛
– إخضاع الاعتراف للسلطة التقديرية للقاضي؛
– تَمَتُّعُ كل شخص بالحق في العلم بجميع أدلة الإثبات القائمة ضده ومناقشتها.
– حق المتهم في المساعدة القانونية وفي مؤازرة محام له في جميع أطوار الدعوى؛
– الحفاظ على مبدأ سرية البحث التمهيدي وإشراف النيابة العامة على تسييره مما يضفي ضمانة قضائية.
– تمكين قاضي التحقيق من الأمر بالنشر الكلي أو الجزئي لقرار عدم المتابعة بناء على طلب الشخص المعني أو النيابة العامة بصحيفة أو عدة صحف.
إن عقاب المجرم هو لمصلحته قبل أن يكون لمصلحة الأفراد والمجتمع، لأنه يهدف إلى إصلاحه وتهذيبه؛ وهو دَيْنٌ يؤديه للمجتمع لِجَبْرِ الضرر الواقع و لكيلا يعيد الكَرَّةَ وليكون عبرة ودرسا لغيره في المجتمع، حتى لا يُمَسَّ النظام العام بسوء ولا يعكر صفو عيش المواطنين والمقيمين والوافدين. وبعد هذا كله يشير القانون إلى إمكانية التمتع بالعفو الملكي أو البرلماني إذا كان الضرر قد جُبِرَ أو لإظهار الرحمة والعطف والعفو عند المقدرة. وهي قيم يسعى المشرع إلى تكريسها في المجتمع.
إن أول ما يَسْأَلُ عنه الوافد أو السائح أو المستثمر إذا أراد الحلول في بلد معين هو: كيف حال القانون والمحاكم عندكم و ما مناخ العدالة عندكم؟
وجواب هذا السؤال هو محدد أساس لقرارات وخيارات المواطن والمقيم والوافد في أي بلد. هذا ماتيسر إيراده نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق للجميع.
قال الله تعالى ” إن الله يامر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تَذَّكَّرون”. سورة النحل- الآية 90.
التعليقات