إصدار.. تضارب تصفية المعرفة الاستعمارية: وائل حلاق نموذجا

4 يناير 2026

سوسن العتيبي. باحثة من السعودية

يبيّن “دان وود” في كتابه “نقض الاستعمار المعرفي” نقطة مهمة جداً، وتتصل بشكل كبير بنهج “وائل حلّاق”، في نقده لـ “الحداثة” وأنماطها المعرفيّة، لتبنيه وسائل ميشيل فوكو صراحة.
يرسم “وود” نموذجاً إرشادياً، يعيد توجيه الدارسين لـ “المعرفة الاستعمارية”، والموقف منها، لتحقيق الهدف وهو “تصفية الاستعمار المعرفي” (وقد استعمل المترجم تصفية ونقض لذات الدلالة، وإن كنت أفضّل كلمة “تصفية”، لا “نقض”)، وهذه التصفية يجب أن تكون رشيدة، تخبر “أنماط المعرفة الاستعماريّة” لبسط هيمنة المستعمر، لا أن مجرد استعمال المستعمر لها، أو إنتاجه لها، يعني أنها في ذاتها زائفة. ففرق بين “المعرفة” في ذاتها، و”المعرفة في استعمالها”.

وقد ضرب مثالاً على أن استعمال الطبقة الاستعمارية لمعرفة ما تملكها؛ لا يعني أنها هي المنتجة لهذه الطبقة، ولا أنها من صميم تمثيل إيديولوجيتها، أو مخرجاتها. وهذا احتراز مهم، خصوصاً مع شيوع نمط من الدراسات وفق “ما بعد الاستعمارية” أو “دراسات التابع”، أو نحوها؛ تنحو نحو طريقة “ميشيل فوكو”، في خطاب معاصر ينزع لفهم “أنظمة الحقيقة” بعدّها خاصة بالسلطة التي تستعملها، وتنتج بها، وتوزّع، وتنظّم… هذه المقولات.
فمقاربة فوكو مقاربة اجتماعيّة-سياسيّة-فلسفيّة للمعرفة، لكنها لا تدرس صميم المعرفة، والهم الإبستمولوجية النمطيّة؛ من قيمة الحقيقة، والصواب، والمحمود… وضد ذلك، ومن ثمّ كيف تظهر أنساق المقولات المعرفيّة، وتعمل، وتتفاعل.
ومن أشكال مقاومة الاستعمار المعرفي؛ اتخاذ كثير من مناهضي الاستعمار المعارف المستعملة من قِبل غير المستعمر لمناهضة الاستعمار، تحت هذه النظرة غير الفاحصة حقاً للمعارف في ذاتها، مصدراً وقيمة. وفي الوقت نفسه تظلل تحت ثنائية “مستعمِر ومستعمَر”، دون نظر إلى أن المستعمَر قد يكون شعباً من الشعوب، عمل الاستعمار على تفريقه وتصنيفه، فرفع فئة مهمشة، وحط من فئة معظمة، وبين فئات الشعب نفسه حصلت صراعات قوى ومكانة… فثنائية “مستعمِر ومستعمَر” لا تعبّر بالضرورة عن أنظمة القوّة في ثنائية سطحيّة.
فهذا المنهج الفوكويّ، وما قاربه، غير قادر على فرز الحقيقة من الزيف معرفياً، والمستعمل من المنتج استعمارياً.
مثال على خلل هذه الثنائية عند التحليل:
استغل الاستعمار “المعرفة” و”اللامعرفة” في آن؛ لتثبيت سلطته، فمتى ما بدى له استعمال المعرفة التي أنتجها، أو التي استقدمها لتثبيت مصالحه فعل، ومتى ما بدى له استعمال “اللامعرفة” وترسيخ الجهل؛ فعل.
مثل:
الحجّة (١): شخص يجادل: إن القانون العُرفيّ شكل من أشكال المعرفة غير الاستعماريّة للشعوب المُستعمرة، ومن ثمّ يمكن أن يُحرر شكلاً من أشكال المعرفة الاستعمارية (القانون المدني)، عند استبداله.
الرد: يورد الناقض: القانون العُرفي شكل من أشكال اللامعرفة الاستعماريّة؛ لاستعمال المستعمِر له لأغراضه، ولقطعه الصلة بتاريخ جماعات ضمن الجماعات والشعوب المستعمَرة، لقيامه بعملية انتقاء له، وتشريعه لدى فئة ما، لتثبيت سلطته.
إذن، الحلّ هو:
السعي لفحص أنماط المعرفة، واستبعاد التحيزات من المعرفة وأنساقها، لا النظر لمن استعملها.
أخيراً:
يمكن أن تجد هذا التضارب شديد الوضوح عند “وائل حلّاق” في كتابه “الشريعة”، والمقابلة بين القانون العرفي، والقانون الوضعي. والشريعة بطبيعة الحال قانون عرفيّ عنده! (ونقدي الموسع تجده في مراجعة كتابه، التي كتبتها 2022)
والله تعالى أعلم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...