العرس الإفريقي الكروي: حين تحوّل المغرب افتتاح كأس الأمم إلى طقسٍ أنثروبولوجي للاحتفاء بالقارة
معتز فيصل. باحث في دراسات العولمة
في تلك الليلة التي افتتح فيها المغرب كأس الأمم الأفريقية، لم يكن الأمر مجرد حفل رياضي عابر، بل كان لحظة وعي قاري، لحظة قالت فيها إفريقيا عن نفسها بنفسها، وبصوتٍ واثقٍ وجميل. كان الافتتاح أشبه بنداءٍ عاطفي موجّه لكل الأفارقة: تذكيرٌ بمن نكون، ومن أين جئنا، وإلى أين يمكن أن نمضي معًا.
إفريقيا… مهد الإنسان الأول، The Cradle of Mankind، الأرض التي خطا عليها الوعي الإنساني خطواته الأولى، وتعلّم فيها الإنسان كيف يسأل، وكيف يتأمل، وكيف ينظر إلى السماء باحثًا عن معنى الوجود. هذه القارة لم تُنجب الجسد الإنساني فحسب، بل أنجبت الفكرة، والدهشة، والبداية الأولى للفلسفة، قبل أن تحمل الرياح هذه الأسئلة إلى بقية القارات. هي القارة التي لم تكن هامشًا في التاريخ، بل كانت بدايته.
وفي هذا السياق العميق، جاء المغرب ليقدّم نفسه لا بوصفه بلدًا مستضيفًا فحسب، بل بوصفه تجسيدًا حيًا للهوية الإفريقية العربية في آن واحد. المغرب لا ينتمي إلى إفريقيا بحكم الجغرافيا وحدها، بل بحكم الإنسان، والذاكرة، والأنثروبولوجيا، وبحكم إحساس صادق ومتجذر بالانتماء إلى هذا المكان. هنا لا تُرفع إفريقيا كشعارٍ عابر، ولا تُستحضر كزينة خطابية، بل تُعاش كوجدان يومي، وكجزءٍ أصيل من النسيج الاجتماعي والثقافي.
لقد ظل التاريخ الدبلوماسي والثقافي والديني للمغرب مع عمقه الإفريقي شاهدًا على هذا الانتماء: من احتضان العلماء الأفارقة، إلى انفتاح جامعاته على طلاب القارة، إلى حضور المثقفين والأدباء والسياح الأفارقة في فضائه العام، دون اغتراب أو استعلاء. إفريقيا في المغرب ليست “الآخر”، بل “الذات الموسّعة”.
وجاء حفل الافتتاح ليترجم هذا المعنى في لوحة فنية ذات مذاق إفريقي فاخر؛ لوحة استوعبت كل الألوان الإفريقية، وتحدثت بكل لغاتها، ورقصت على إيقاعاتها، وغنّت بأصواتها. كان الاحتفاء إفريقيًا خالصًا، دون تصنّع، ودون خوف، ودون حاجة إلى تبرير. وكانت أغنية Afrocallez ذروة هذا الشعور: نداءً مفتوحًا للقارة، موسيقى تنبض بالاعتزاز، وتستدعي الذاكرة، وتعلن الفرح الإفريقي كما هو: صاخبًا، عميقًا، ومتصالحًا مع ذاته.
أما الأجواء، فقد بدت وكأنها تقول إن إفريقيا قادرة على الإبهار، وقادرة على التنظيم، وقادرة على الجمال. الملاعب الجاهزة، البنية التحتية المتقنة، حفاوة الاستقبال المغربي الأصيل، والدفء الإنساني الذي لا يُشترى ولا يُصنّع. كل ذلك جعل هذا المحفل يتجاوز، في جماله وتنوعه، كثيرًا من الأحداث الإقليمية والعالمية. لقد كان احتفالًا بالقارة، لا عرضًا للقوة فحسب.
وإفريقيا، كما قال المفكر الكبير علي المزروعي، هي القارة التي تشكّلت من ثلاثية فريدة: التقاليد الإفريقية العريقة، والمسيحية، ثم الإسلام. هي قارة التعدد لا النقاء الزائف، وقارة التراكم لا الإلغاء. ومن هنا، فإن الاحتفاء بالهوية الإفريقية داخل سياق عربي مسلم ليس تهديدًا، ولا انحرافًا، ولا مشروع صراع. إنه فعل وعي، وحق إنساني أصيل.
إلى المتعجلين والمتوترين من فكرة هذا الاحتفاء، نقول: الإنسان ليس كائنًا ذا بعد ثقافي واحد، بل هو مركّب من هويات متعددة، ومن حقه أن يحتفي بكل بعدٍ منها متى ما استدعت المناسبة. لا أحد يُقصى حين نحتفي بإفريقيا، ولا أحد يُلغى حين نُبرز أحد وجوه ذواتنا. الهوية ليست معركة، بل فسيفساء.
وأخيرًا، رسالة إلى المشككين في إمكانات هذه القارة، وفي قدرة إنسانها على النهوض:
إفريقيا ستنهض، لا لأن العالم يريد ذلك، بل لأن التاريخ والإنسان والجغرافيا يقفون إلى جانبها. ستنهض غصبًا عن حقد الحاقدين، وعن كره المستعمرين، وعن شكوك المترددين. فالقارة التي أنجبت الإنسان الأول، قادرة على أن تُنجب مستقبلًا جديدًا.
وما فعله المغرب في هذا الافتتاح لم يكن إلا تذكيرًا جميلًا بهذه الحقيقة.
التعليقات