31 أغسطس 2025 / 10:33

إمارة المؤمنين في المغرب: بين التجديد الصامت والقراءات الاختزالية لجريدة لوموند

محمد خياري

في زمن تتسابق فيه الصحافة الدولية إلى اختزال التعقيد في عناوين مثيرة، جاء مقال لوموند الفرنسي بعنوان “الملك، الإسلام، والإسلاميون” ليقدّم نموذجًا صارخًا للقراءة الكسولة التي تفتقر إلى الحس التاريخي، والوعي الرمزي، والفهم المؤسساتي. المقال يدّعي أن الملك محمد السادس لم يُجدّد في المجال الديني، وأنه لا يُبدي اهتمامًا فعليًا بالشأن الروحي، مكتفيًا بتكرار خطوات والده. لكن هذا الطرح، وإن بدا تحليليًا، لا يتجاوز كونه حكمًا متسرعًا يخلط بين غياب الضجيج وغياب الفعل، وبين الصمت الاستراتيجي والفراغ المفاهيمي.

منذ اعتلائه العرش سنة 1999، لم يتعامل الملك محمد السادس مع إمارة المؤمنين كلقب وراثي، بل حوّلها إلى مشروع حضاري متكامل، يجمع بين الأصالة والتحديث. فقد شهد المغرب في عهده تحولات عميقة في تدبير الشأن الديني، أبرزها تحويل مؤسسة الفتوى من اجتهاد فردي إلى عمل جماعي مؤسساتي، عبر المجلس العلمي الأعلى، الذي يُعد اليوم مرجعية فكرية وروحية ليس فقط داخل المغرب، بل في العالم الإسلامي.

وقد تم تأسيس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات سنة 2005، وهو مؤسسة رائدة في العالم الإسلامي، خرّجت آلاف الائمة والمرشدات من المغرب ومن دول إفريقية وأوروبية وآسيوية، من بينهم أئمة من فرنسا، مالي، السنغال، ونيجيريا. هذا المعهد يُجسّد رؤية الملك في بناء خطاب ديني وسطي، متوازن، ومحصّن من التطرف، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو المذهبي.

في عهد محمد السادس، لم يُستخدم الدين كأداة للضبط فقط، بل كمحرك للتنمية. فقد تم بناء مئات المساجد بين 1999 و2025 ، بعمرانها وماترمز إليه من حضارة وثقافة إلى جانب عشرات المركّبات الثقافية والمراكز الوقفية.
هذا التوظيف الذكي للدين في خدمة الإنسان، بعيدًا عن التسييس أو التجييش، يُعد من أبرز مظاهر التجديد التي تجاهلها المقال الفرنسي، ربما لأن عدسة التحليل لديه لا ترى إلا ما يُشبهها. فهل يُقاس الاهتمام بالدين بعدد التصريحات الصحفية، أم بقدرة الدولة على بناء نموذج روحي متوازن، يُمكّن المواطن من ممارسة تدينه في فضاء من الطمأنينة والاعتدال؟

ومن اللافت أن تيارات فكرية متباينة، من جماعة العدل والإحسان إلى اليسار الراديكالي، لا تُعارض مبدأ إمارة المؤمنين، بل تتفاعل معه من منطلقات رمزية أو تاريخية. هذا التعدد في المواقف يعكس قدرة النموذج المغربي على احتواء التباينات الفكرية، دون أن يفقد بوصلته الروحية أو الشرعية التاريخية. فحتى من يختلف مع تفاصيل المشروع، لا يُنكر رمزيته ولا دوره في حفظ التوازن الوطني.

وقد صرّح المفكر الفرنسي Jean-Pierre Filiu، أستاذ الدراسات الإسلامية في معهد العلوم السياسية بباريس، أن “النموذج المغربي في تدبير الدين يُعد من أكثر النماذج استقرارًا وواقعية في العالم الإسلامي، لأنه يدمج بين الشرعية التاريخية والفعالية المؤسساتية.”

فإمارة المؤمنين، كما تجسدت في عهد محمد السادس، أصبحت مرجعًا دوليًا يُثير اهتمام دول من إفريقيا وأوروبا وآسيا، تبحث عن نموذج يجمع بين الاستقرار الروحي والانفتاح السياسي. وقد أشاد الرئيس السنغالي السابق ماكي سال في أكثر من مناسبة بـ”الدور الريادي للملك محمد السادس في تكوين الأئمة ونشر الإسلام المعتدل في إفريقيا”، معتبرًا أن المغرب أصبح “منارة روحية للقارة”.

أما وزير الخارجية الأمريكي الأسبق John Kerry، فقد وصف النموذج المغربي بأنه “شريك استراتيجي في محاربة التطرف، بفضل مقاربته الدينية المتزنة التي تحترم التعدد وتُعزز الاستقرار.”

وفي آسيا، عبّر رئيس المجلس الإسلامي في إندونيسيا Din Syamsuddin عن إعجابه بـ”المنهج المغربي في تكوين الأئمة”، مؤكّدًا أن “إمارة المؤمنين في المغرب تُقدّم نموذجًا فريدًا يجمع بين الأصالة والانفتاح.”

إن التركيز على بعد واحد في تحليل تجربة إمارة المؤمنين، كما فعلت لوموند، لا يُنتج فهمًا، بل يُكرّس السطحية. فالتجديد لا يُقاس بالضجيج الإعلامي، بل بقدرة المؤسسات على التفاعل مع التحولات، وضمان الأمن الروحي، وتحصين المجتمع من التطرف. وفي هذا، يظل المغرب نموذجًا فريدًا، يستحق قراءة أكثر إنصافًا، وأقل عجلة.

إن اختزال مشروع إمارة المؤمنين في المغرب إلى مجرد “غياب التجديد” أو “ضعف الاهتمام” لا يُعبّر عن الواقع، بل عن قصور في أدوات التحليل. فالتجديد المغربي ليس صاخبًا، لكنه فعّال. ليس استعراضيًا، لكنه مؤسسي. وليس موسميًا، بل مستدام.

وفي زمن تتهاوى فيه أنظمة مجاورة تحت وطأة الانقسامات الدينية والسياسية، يواصل المغرب، بقيادة محمد السادس، بناء نموذج متماسك، يُزاوج بين الروح والدولة، بين التاريخ والمستقبل، وبين الدين والتنمية.