
ياسمين الشاوي
من أراد أن يكون عالماً، فعليه أن يشغل عقله ليكون منتجا للمعرفة، لكن المعرفة الجديدة تتطلب جهداً كبيراً. وإذا لم يشغل من يريد أن يكون عالماً عقله، فسيبقى هذا العقل جامداً وغير قادر على إنتاج المعرفة الجديدة. بل سيبقى مكتفياً بما لديه من معرفة أو مكتفياً بما أنتجه الآخرون، وفي نفس الوقت، سيضيع منه، مع مرور الوقت، لقب “عالم”. بمعنى أنه أصبح غير مستحق لهذا اللقب. والسبب هو أنه جمد عقله ومنعه من التفكير:
إذن، العالم هو الشخص الذي يشغل عقله لينتج معرفة جديدة، أو بعبارة أخرى، ليغني رصيده المعرفي، وفي نفس الوقت، يغني الرصيد المعرفي البشري. هذا هو العالم. وأضعف الإيمان، أنه يحسن ويرقي المعرفة التي أنتجها علماء آخرون.
وبالتدقيق، كلمة “عالم” هي، في نفس الوقت، نعت واسم نعت، عندما نقول، مثلاً، هذا “شخص عالم” فالمقصود هو أنه تتوفر فيه صفات “عالم” منتج للمعارف الجديدة. اسم، عندما نقول، مثلاً “العالم الفلاني” يعني شخصاً تتوفر فيه نفس الصفات”.
وفضلاً عن هذه الصفات، فالعالم، حقاً وحقيقة، لا يستيقظ ذات صباح، وينزل عليه الوحي ويبدأ في إنتاج المعرفة. لا، أبدا! هذا ليس عالماً وإنما منجما، العالم له أسلوب يعتمد عليه لإنتاج المعرفة الجديدة. أو بعبارة أخرى، له منهجية يستعين بها لإنتاج المعرفة الجديدة. واتباع منهجية معينة تجعل العالم يتوخى الدقة والموضوعية في إنتاج المعرفة الجديدة. وهذا يعني أن العالم يجب أن يكون في نفس الوقت، باحثاً والباحث يشغل عقله داخل مختبر من المختبرات أو خارجها.
والعالم الباحث يمكن أن يكون متعدد التخصصات أو متخصصاً في علم من العلوم الدنيوية. والعالم الباحث المتخصص يمكن أن يكون متخصصاً في مجال من مختلف مجالات العلوم الإنسانية أو في مجال من مجالات العلوم الدقيقة.
والعلوم الإنسانية تدرس وتبحث في جميع القضايا والمشكلات التي لها علاقة بحياة الإنسان وبعيشه وتعايشه داخل المجتمعات المنظمة. وقد يطلق على جزء كبير من العلوم الإنسانية تسمية “العلوم الاجتماعية”. وكأمثلة للعلوم الإنسانية، أذكر، مثلاً، التاريخ، الجغرافيا، علم الإناسة، علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي، الاقتصاد، الفلسفة.
بينما العلوم الدقيقة، هي العلوم التي تعتمد في بحثها على الدقة أو على الاقتراب من هذه الدقة. وتضم العلوم الدقيقة علوم الأرض كالجيولوجيا وعلم البحار وعلم الأحفوريات وعلم المناخ. كما تضم العلوم الدقيقة علوم الحياة كالبيولوجيا وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم البيئة والكيمياء الحيوية. وتضم العلوم الدقيقة، كذلك، العلوم الرياضية كالهندسة والجبر والإحصائيات والرياضيات التطبيقية كعلوم الحاسوب. وتضم أيضًا العلوم الطبية والفيزيائية كالفيزياء والكيمياء والكيمياء العضوية وكيمياء وفيزياء المواد وعلم الفلك والفيزياء الفلكية.
القاسم المشترك بين هذه العلوم، سواء كانت إنسانية أو دقيقة، فهي تتجدد باستمرار. ولهذا، فمثلاً، علوم الحضارات القديمة الصينية، الفارسية، اليونانية، البيزنطية، الرومانية، الإسلامية، الغربية، الشرقية.
ليست على الإطلاق، هي علوم العصر الحاضر. كل العلوم تغيرت، رأسا ًعلى عقب. لماذا؟
لأن العقل البشري لم يتوقف ولن يتوقف عن التفكير إلى أن يرث الله، سبحانه وتعالى، الأرض ومن عليها. والتفكير وراءه البحث.
والبحث، نفسه، تطور بتطور أساليبه ومنهجياته. وكلما تطور البحث، كلما تطور معه العقل البشري الذي يصبح ملما بأمور كثيرة لم تكن في الحسبان. وتطور العقل البشري يقود، حتمًا، إلى تطوير وسائل ومنهجيات البحث نفسها والمؤدية إلى إنتاج معارف جديدة، بل، أحيانا، إلى إنتاج علوم جديدة. ولماذا العقل البشري لن يتوقف عن التفكير؟
الجواب على هذا السؤال يقتضي بصيصًا من المنطق. فهل الله سبحانه وتعالى، يخلق الأشياء عبثاً، أي بدون غاية من الغايات؟ لا، أبدا! كل شيء خلقه ويخلقه الله عز وجل، إلا وجعل له غاية أو غايات. والله سبحانه وتعالى، عندما خلق الإنسان آدم، ميزه عن الملائكة وعن جميع المخلوقات الحية، بالعقل والنطق.
ولهذا، عندما قال، سبحانه وتعالى للملائكة: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..” البقرة، 30، أجابته الملائكة و”قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. نفس الآية، فأجابهم، عز وجل: “وقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” نفس الآية. فحين قال سبحانه وتعالى: “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”، فهذا دليل على أنه سبحانه وتعالى، لم يخلق آدم عبثاً أو صدفة، كان ولا يزال يعلم لماذا خلقه. ومن بين الأشياء التي كان يعلمها، سبحانه وتعالى، هي أن الإنسان مطالب بتشغيل عقله الذي هو هبة من الله، لكن تشغيله في إنتاج كل ما ينفع البلاد والعباد.
ومن بين ما هو قادر على إنتاجه العقل البشري، إنتاج المعرفة، من خلال البحث الذي تدور أطواره داخل وخارج المختبرات. والبحث الذي يدار داخل أو خارج المختبرات، هو الذي مكن البشرية من ركم قدر كبير وهائل، بل لامحدود، من المعارف المرتبطة بجميع المجالات المعرفية.
وللتذكير، لقد قلت أعلاه إن القاسم المشترك بين جميع العلوم الدنيوية، سواء كانت إنسانية أو دقيقة، هو أنها تتغير باستمرار عبر الزمان والمكان. أي أنها تتغير مع الواقع وتغيره بانتظام. ليس هناك ولو علم واحد أنتجه العقل البشري، بقي على حاله، أي كما أنتجه الأولون. وهذا يعني أن أي مجال من مجالات المعرفة التي أنتجها العقل البشري، إن لم يتغير، فمآله النسيان أو الانقراض.
وكمثال على ذلك، أستشهد بالنظرية التي كانت تعتبر الأرض هي مركز الكون التي اختفت وحل محلها نظرية مركزية الشمس. انقرضت النظرية الأولى وبقيت النظرية الثانية قائمة إلى يومنا هذا.
كل علم دنيوي، كيفما كان، لا يمكن أن يبقى جامدا. وإن بقي جامداً، فهذا يعني أن الباحثين فيه، إما توقفوا عن تشغيل عقولهم وإما علمهم هذا أصبح متجاوزا، فتركوه وانشغلوا بإنتاج علم جديد.
إلا العلوم الدينية لم يطرأ عليها أي تغيير، منذ ما يزيد عن ألف سنة، أي منذ ما يزيد عن 10 قرون. علماً أنها إنتاج بشري، أي كان من المفروض، أن تتغير مع تغير الزمان والمكان. والسبب الرئيسي هو أن علماء وفقهاء الدين يظنون ولا يزالون يظنون أن ما أنتجه الأولون، من فقه وأحكام، صالح لكل زمان ومكان. حينها، وضعوا حداً لتشغيل عقولهم.
بل، من بين علماء وفقهاء الدين، من يقول ويجزم أن “النص يقدم على العقل”. بمعنى أن العقل يجب أن يتوقف عن التفكير أمام النص. لكن ما،سيه أو تناساه علماء وفقهاء الدين أن النص إنتاج أفرزه العقل البشري. وكل ما أنتجه العقل البشري من معارف قد يكون صواباً وقد يكون خطأ، وبالتالي فهو قابل للنقاش. أليست كتب المذاهب الأربعة، إنتاج معرفي بشري؟ أليست تفاسير القرآن الكريم للطبري وابن كثير والقرطبي والبغوي والسعدي.. إنتاج معرفي بشري؟
إنها، فعلا، إنتاج فكري معرفي بشري. لكن علماء وفقهاء الدين يعتبرون نصوص جل هذه الكتب، نصوصاً قطعية لا يجب تغييرها أو مساسها، وبالتالي فهي صالحة لكل زمان ومكان. فعن أي علم أو علوم يتحدث هؤلاء العلماء والفقهاء؟
ما لم ينتبه له هؤلاء العلماء والفقهاء هو أنهم غير مطلعين على ما أنتجته وتنتجه العلوم الإنسانية من معارف مفيدة لهم كعلم الاجتماع وعلم الإناسة والتاريخ، وخصوصا، تاريخ العلوم. هذا الأخير بين ويبين أنه لا يوجد، على الإطلاق، علم بقي على حاله كما أنتجه الأولون.
ـــــــــــــــ
رابط صفحة الكاتبة على فيسبوك
المصدر : https://dinpresse.net/?p=23733