بانوراما الجالية الإسبانية في إسبانيا

حسن علوض. باحث في مجال التربية والتكوين
يطيب لي أن أقدم لكم ، واحدا من الأعمال الأخيرة والمتميزة التي أصدرها الباحث والصحفي المغربي محمد بوندي، ويتعلق الأمر بكتاب صادر باللغة الفرنسية موسوم بعنوان: Les nouveaux citoyens d’Europe : Immigrés marocains d’Espagne الصادر عن منشوراتLABIBOOK / الدارالبيضاء / المغرب / الطبعة الأولى / 2026 .
ويأتي إصدار هذا الكتاب، في إطار الاهتمام ب«مسألة الهجرة»، التي أضحت ذات مكانة مهمة في الفكر الاجتماعي والسياسي المعاصر سواء في المجتمعات المتقدمة أو تلك المتخلفة . حيث أضحت الظاهرة في العقود الأخيرة من أبرز القضايا التي تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والإنسانية. فالهجرة ليست مجرد نتيجة للفوارق الاقتصادية بين الدول، وإنما تتأثر أيضاً بالتحولات السياسية، والأزمات الاجتماعية، والحروب، والتحولات البيئية ، والكوارث الطبيعية وعدم الاستقرار، والسياسات العمومية، كما أصبحت عاملاً مؤثراً في العلاقات بين الدول.
وفي الحالة المغربية، تكتسي الهجرة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب كبلد للعبور والاستقرار والهجرة نحو أوروبا، وخاصة نحو إسبانيا. لتشكل الهجرة المغربية إلى إسبانيا إحدى أبرز ظواهر الهجرة في المجال المتوسطي، بحكم القرب الجغرافي والروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين. غير أن أزمة سبتة الأخيرة، التي تفجرت في أواخر يوليوز 2026، أعادت موضوع الهجرة المغربية إلى الواجهة بقوة، وكشفت عن استمرار جاذبية أوروبا بالنسبة إلى فئات من الشباب المغاربة، رغم تشديد مراقبة الحدود والتعاون المغربي الإسباني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.
ويبرز الأستاذ محمد بوندي من خلال هذا الكتاب / الدراسة، كيف استطاع المهاجرون المغاربة في إسبانيا، رغم الأزمات والصعوبات، الانتقال تدريجياً من وضعية الهجرة الاقتصادية إلى وضعية الاستقرار والاندماج والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، بما جعلهم جزءاً من النسيج الجديد للمجتمع الإسباني خصوصا والأوروبي عموما.
وتبرز أهم المحاور التي عالجها الكتاب في مايلي :
1. تطور الهجرة المغربية إلى إسبانيا والتي انتقلت من هجرة يغلب عليها الطابع الاقتصادي إلى استقرار اجتماعي وأسري أكثر رسوخاً وبالتالي. أصبح المغرب وإسبانيا مرتبطين بشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وحركة الهجرة .
2. الاندماج في المجتمع الإسباني : حيث ساهمت الإقامة الطويلة والعمل والتواصل مع المجتمع المحلي في تعزيز اندماج المغاربة. فلم يعد المهاجر المغربي يُنظر إليه فقط باعتباره عاملاً أجنبياً، بل أصبح فاعلاً اقتصادياً واجتماعياً داخل المجتمع الإسباني.
3. التغير في الصورة النمطية للمهاجر المغربي بتمكن عدد من المغاربة من تجاوز الصور النمطية المرتبطة بالهجرة والعمل غير المؤهل كما برزت فئات من المهنيين والمقاولين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتخصصين في مجالات متنوعة.
4. التكيف مع الأزمات الاقتصادية : خصوصاً منذ 2007، حيث دفعت الأزمة الاقتصادية، المغاربة إلى البحث عن أنشطة ومهن جديدة . كما اعتمد العديد منهم، على المرونة المهنية وتعدد المهارات لمواجهة البطالة وتراجع القدرة الشرائية.
5. المقاولة والتجارة المغربية :برز المغاربة في تجارة الخضر والفواكه، والجزارة الحلال، ومحلات القرب، والمطاعم والمخابز. تحولت بعض الأنشطة التي كان السكان المحليون يتخلون عنها إلى فرص اقتصادية للمهاجرين المغاربة.
6. أهمية الكفاءات والمهارات :ساعد إتقان اللغات، خاصة العربية والإسبانية، بعض المغاربة على العمل كمترجمين وأساتذة ووسطاء. كما سمحت المهارات التقنية، مثل الكهرباء وتركيب الهوائيات، بالاندماج في مجالات مهنية متخصصة.
7. الهجرة والهوية الثقافية : حافظ المغاربة على بعض عناصر هويتهم، مثل اللغة والدين والعادات والعلاقات الأسرية. في الوقت نفسه، تطورت أنماط جديدة من التعايش والتفاعل مع المجتمع الإسباني.
8. المرأة المغربية المهاجرة :شهدت الهجرة المغربية في السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً للنساء . فأصبحت المرأة المغربية أكثر استقلالاً ومشاركة في الحياة المهنية والاجتماعية، مع استمرار مسؤولياتها الأسرية.
9. القاصرين المغاربة غير المصحوبين (MENA) :يشكل القاصرون غير المصحوبين إحدى القضايا الأساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.في مجال الهجرة. كم ركزت السياسات الإسبانية في هذا المجال على الحماية والرعاية والإقامة والولوج إلى سوق العمل بعد بلوغ سن الرشد لهؤلاء القاصرين , كما ساهمت الإصلاحات القانونية في تسهيل اندماج هؤلاء الشباب مهنياً واجتماعياً.
10. التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة : أصبح التعاون المؤسساتي جزءاً أساسياً من تدبير الهجرة بين البلدين بتطور الاتفاقيات بين المغرب وإسبانيا لتشمل الهجرة، والضمان الاجتماعي، وحماية القاصرين، والعودة المنظمة والهجرة الدائرية . ولم تعد الهجرة بالضرورة مشروعاً نهائياً للقطيعة مع المغرب,
11. أهمية الروابط الأسرية :تلعب الأسرة دوراً أساسياً في قرار الهجرة والاستقرار والعودة, كما. يظل «البلد الأم» حاضراً في الوعي والهويات والمشاريع المستقبلية للمهاجرين.
12. التعايش وحسن الجوار : ساهم الاحتكاك اليومي بين المغاربة والإسبان في تطوير علاقات قائمة على الثقة والتعاون. كما أصبحت بعض المحلات والمشاريع المغربية جزءاً من الحياة اليومية للسكان المحليين.
13. تجارب الحياة الفردية : كما يعرض الكتاب نماذج واقعية لمهاجرين مغاربة، مثل سعيد وزروالي ومحمد وهشام. …لتكشف هذه الحالات تنوع مسارات الهجرة، من العمل الأكاديمي والترجمة إلى التجارة والمهن التقنية. ..وغيرها
14. ليقدم الكتاب / الدراسة صورة مجملة ومفصلة عن التحول التدريجي للمهاجر المغربي من مجرد وافد اقتصادي إلى مواطن/فاعل اجتماعي واقتصادي جديد في أوروبا. ويظهر الاندماج باعتباره عملية متبادلة تقوم على العمل، والاستقرار، والتعليم، والتواصل، والمشاركة الاجتماعية، والحفاظ في الوقت نفسه على الروابط مع المغرب.




التعليقات