إصدار جديد: المفردات الأساسية في القرآن: معجم نقدي

أنس غنايم
صدر بالعربية كتاب نيكولاي سيناي “المفردات الأساسية في القرآن: معجم نقدي”، وقد سبق أن قرأت بعض مواده المعجمية متفرقة. والكتاب، في تقديري، من أهم ما أُنجز في الدرس الغربي الحديث للمفردة القرآنية؛ وهو أقرب إلى موسوعة بحثية في الألفاظ المركزية منه إلى معجم بالمعنى المألوف. فمداخل مثل “الإيمان” و”الكفر” و”الدين” و”الكتاب” ليست تعريفات مقتضبة، إنما دراسات مصغرة تتبع اللفظة في مختلف السياقات القرآنية، وصلاتها بالمفردات الثواني، وتاريخها السابق للقرآن، وما يضيئها من الشعر والنقوش واللغات السامية والنصوص اليهودية والمسيحية. وسيناي يصف منهجه بأنه تحليل قائم على الاستقراء الشامل لمواضع اللفظة (concordantial analysis)، مقرون بمنظور تاريخي يروم تقدير ما كانت تعنيه المفردة لمتلقي القرآن الأوائل في غرب الجزيرة في القرن السابع الميلادي.
ولعل جانبًا مهمًّا من قيمة الكتاب أنه ضمّ في بناء واحد مسالكَ كانت متفرقة في أعمال من سبقه؛ فمن إيزوتسو أخذ العناية بـالحقول الدلالية، والعلاقات التي يتكون منها المفهوم داخل النظام القرآني، ومن برافمان الإفادة من الشعر العربي القديم في استعادة التاريخ الدلالي للمفاهيم، ومن هوروفِتس الجمع بين الاستعمال القرآني والشعر والسوابق اليهودية والمسيحية، ثم أضاف إلى ذلك حصيلة الفيلولوجيا السامية، والمقارنة بالآرامية والسريانية والعبرية، والنقوش العربية القديمة، ودراسات العصور القديمة المتأخرة (Late Antiquity). ومن ثم يمكن عدّ الكتاب حصيلة تركيبية لنحو قرن ونصف من الدرس الغربي للمفردات القرآنية؛ إذ لم ينشئ هذا الباب من عدم، ولكنه جمع خيوطه، ونقّح كثيرًا من فرضياته، وأدخل إليه ما استجد من النقوش ودراسة العربية القديمة. ولهذا تكاد كل مادة فيه تكون خريطةً لتاريخ البحث في المفهوم: ماذا يدل عليه الاستعمال القرآني؟ وما شاهده الشعري؟ وهل له نظير سامي؟ وهل نحن أمام امتداد لمعنى عربي أقدم، أم تحول دلالي طرأ عليه؟
هذا ما يمنح الكتاب أهمية كبيرة للباحثين في الدراسات القرآنية واللغوية والإسلامية عمومًا، لكنها تقتضي مسافة نقدية يقظة؛ فنحن بإزاء كتاب الله تعالى، لا نص أدبي عادي، وإزاء إعادة بناء تاريخية وفيلولوجية ودينية مقارنة لا تخلو من الفرض والترجيح والانحياز: صحة الشعر وتأريخه، وقراءة النقش، واتجاه التأثير بين العربية والآرامية أو السريانية، وغيرها؛ وكلها مقدمات قابلة للنقاش والمراجعة والنقد.
ومع أهمية المشروع وسعته، يظهر فيه اختلال بيّن في توزيع مصادر سيناي ومجالات اطلاعه. صحيح أنه لم يُعرض بالكلية عن التراث الإسلامي؛ فقد رجع إلى الطبري والزمخشري والراغب والماتريدي وفخر الدين الرازي وأبي عبيدة وابن قتيبة وغيرهم، ويستفيد منهم فعلًا في قضايا لغوية وتفسيرية وكلامية. بل يعترف صراحة بأن التراث السابق للحداثة كان يمكن أن يقدم لكتابه أكثر بكثير مما استطاع استيعابه، أو قضى معه وقتًا أطول! وآية القول أنّ هذه الإفادة تظل انتقائية، وموجزة إذا قيست بسعة حضور المكتبة الاستشراقية. فبعض أعمدة الدرس العربي القديم يكاد يغيب: الخليل، وسيبويه، والفراء، والأخفش، والزجاج، وابن فارس، وعبد القاهر الجرجاني. وغياب ابن فارس لافت في كتاب شديد الاشتغال بتاريخ الدلالة والاشتقاق، أما عبد القاهر فغيابه أشد دلالة؛ لأن البلاغة العربية بنت مبكرًا تصورًا رفيعًا للمعنى لا يجعله ساكنًا في المفردة وحدها، بل متولدًا من النظم والتركيب والسياق.
ويتصل بذلك ضعف تمثيل الدرس الكلامي في بنية المشروع؛ فالمتكلمون لم يكونوا مجرد أصحاب مذاهب دينية، بل حرروا فروقًا دقيقة في الإيمان والكفر، والهداية والضلال، والإرادة والقدرة والعدل والنبوة وغيرها، كما طوّر البلاغيون والنحاة أدوات لتحليل الحذف والتقديم والتضمين والمجاز والعلاقات السياقية.
ثم إن الكتاب، على سعته، ليس مستوعبًا لجميع المفاهيم المركزية؛ فـ”الشكر” مثلًا لا يفرد له مدخلًا مستقلًا، وإنما تتوزع مادته بين “النعمة” و”الكفر”، مع أنه من المفاهيم القرآنية الكثيفة الصلة بالإيمان والكفر والعمل الصالح. وكذلك “العدل” لا يحظى بمادة مستقلة واسعة، بل يُحال في جانب معتبر منه إلى مبحث الظلم والإنصاف. وهذا يذكّر بأن “المفردات الأساسية” هنا اختيار مؤلف، لا استيعابًا شاملًا لجميع المفاهيم القرآنية.
أخيرًا، ثمة ملاحظة محزنة لا تخص سيناي وحده، بل تتجاوز كتابه إلى بنية أوسع في الدرس الغربي المعاصر. فالكتاب ينتفع بباحثين مسلمين وعرب اشتغلوا داخل المؤسسة الأكاديمية الغربية، مثل وليد صالح، ومحمد عبد الحليم، ومستنصر مير، وفضل الرحمن، وغيرهم؛ غير أن البحث المعاصر المكتوب بالعربية يظل ضعيف الحضور إلى حدّ بيّن، حتى إن مشروعات محمد حسن جبل، وحسن المصطفوي، ومدرسة الدراسة المصطلحية عند الشاهد البوشيخي ونظائرها تقع خارج مجال نظر سيناي بالكلية. وهنا تظهر آفة معرفية متكررة: فما يدخل شبكة النشر الإنجليزية والألمانية يُستقبل بوصفه جزءًا طبيعيًا من “الحقل”، أما ما يُنتج بالعربية فقد يظل غائبًا عن دوائر التلقي والإحالة، مهما علت قيمته، ودقّ منهجه.
وخلاصة القول: هو مرجع ضخم يجمع قدرًا وافرًا من منجز الدرس الغربي اللغوي والفيلولوجي للمفردة القرآنية، ويصل ذلك بالنقوش والدراسات السامية الحديثة؛ لكنه يظل محتاجًا إلى أن يُقرأ ويُستكمل من داخل التراث العربي الإسلامي، ومن داخل البحث العربي المعاصر كذلك. وهذه، في تقديري، أعدل طريقة للإفادة منه.
والله أعلم




التعليقات